المغرب

عندما تتحول منظمات “حقوق الإنسان” إلى محام عن الأسواق

بقلم: المسكين يوسف

أثارت تصريحات الأمين العام لإحدى المنظمات التي تقدم نفسها كهيئة مهتمة بحقوق الإنسان ومحاربة الفساد الكثير من علامات الاستفهام، بعدما دعا المغاربة إلى الإقبال على شراء لحم الدجاج بدعوى أن المنتجين والتجار يواجهون خسائر متزايدة وأن بعض الشحنات تتسبب لأصحابها في خسائر تتجاوز خمسة آلاف درهم.

لا أحد يعترض على حق المهنيين في التعبير عن مشاكلهم أو الدفاع عن مصالحهم الاقتصادية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما علاقة منظمة يفترض أنها تشتغل في مجال حقوق الإنسان ومحاربة الفساد بالترافع عن أرباح المنتجين والتجار؟ وأين كانت هذه الحماسة عندما كان المواطن المغربي يواجه موجات متتالية من الغلاء أنهكت قدرته الشرائية؟

لقد عاش المغاربة سنوات من الارتفاع الجنوني للأسعار. وصل ثمن الدجاج في فترات معينة إلى مستويات قياسية، وارتفعت أسعار الخضر والفواكه واللحوم والمحروقات والنقل بشكل غير مسبوق. يومها كان المواطن البسيط هو الطرف المتضرر، وكانت الأسر المغربية تضطر إلى إعادة ترتيب أولوياتها والتخلي عن كثير من الحاجيات الأساسية من أجل مواجهة موجة الغلاء.

في تلك الفترات العصيبة، لم يسمع الرأي العام حملات واسعة تدعو إلى حماية القدرة الشرائية للمواطن، ولم نسمع أصواتاً مرتفعة تطالب بتدخل عاجل لوقف نزيف الأسعار أو فتح تحقيقات حول أسباب الزيادات المتتالية التي مست مختلف المواد الاستهلاكية.

عندما تجاوز ثمن البصل حدوداً لم يكن يتخيلها أحد، وعندما أصبحت الطماطم مادة تثير الجدل، وعندما تحولت بعض أنواع الفواكه إلى منتجات بعيدة عن متناول شرائح واسعة من المجتمع، وعندما ارتفعت أسعار المحروقات رغم تراجعها في الأسواق الدولية، وعندما أصبحت تذاكر السفر في فترات الأعياد والمناسبات عبئاً ثقيلاً على الأسر، لم نشهد نفس الحماس ولا نفس الخطاب المستعجل دفاعاً عن المستهلك.

وهنا يكمن جوهر الإشكال. فالمنظمات الحقوقية والمدنية تكتسب مشروعيتها من انحيازها لقضايا المواطنين والدفاع عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، لا من خلال الظهور كلما تعرضت فئة من التجار أو المنتجين لخسائر ظرفية. فالحق في العيش الكريم والقدرة على الوصول إلى الغذاء بأسعار معقولة جزء أساسي من حقوق الإنسان التي يفترض أن تكون في صلب اهتمامات هذه الهيئات.

إن المواطن المغربي لا يحتاج إلى من يقنعه بشراء الدجاج أو غيره من المنتجات، بل يحتاج إلى من يدافع عن حقه في أسعار عادلة، ويطالب بالشفافية في الأسواق، ويكشف أسباب المضاربات والاحتكارات والاختلالات التي تساهم في رفع كلفة المعيشة.

أما محاربة الفساد، فهي معركة أكبر وأعمق من تقديم النصائح الاستهلاكية للمواطنين. إنها تقتضي مساءلة مظاهر الريع والاحتكار وتضارب المصالح والاختلالات التي تعرفها العديد من القطاعات، وهي ملفات ما زالت تنتظر من يضعها في صدارة النقاش العمومي.

لذلك، فإن السؤال الذي يطرحه الكثير من المغاربة اليوم ليس لماذا يخسر بعض المنتجين أو التجار، بل لماذا تتحرك بعض الأصوات بقوة عندما تتأثر مصالح السوق، بينما تخفت أو تختفي عندما يتعلق الأمر بمعاناة المواطن البسيط وقدرته الشرائية وحقه في حياة كريمة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى