طنجة تبحث عن “الكابلاج” الضائع… وهل نستورد العمال أم نرفع الأجور؟

تعيش مدينة طنجة اليوم مفارقة لافتة في قلب واحدة من أنجح قصصها الصناعية: مصانع “الكابلاج” تشتكي نقص اليد العاملة، والعمال يشتكون من أن الأجور لا تكفي حتى “لكابل” الحياة اليومية، فما بالك بمنظومة كاملة من الكراء والنقل والمواد الغذائية.
المشهد يبدو بسيطاً للوهلة الأولى: وظائف متوفرة، ومصانع تبحث عن عمال. لكن الواقع أكثر تعقيداً من مجرد إعلان توظيف على بوابة مصنع. فحين يتقاضى العامل حوالي 3000 درهم، ويكتشف أن غرفة صغيرة في طنجة قد تنافس في سعرها شقة في مدينة أوروبية، يصبح السؤال المنطقي: هل المشكلة في نقص العمال… أم في حسابات المعادلة كلها؟
اللافت أن بعض الشركات باتت تتعامل مع الأمر وكأنه عطب تقني في خط الإنتاج: إذا غاب العمال المحليون، فالحل ليس في مراجعة الظروف، بل في “تغيير القطعة البشرية” بأخرى جاهزة للاستعمال. وهنا يبدأ الهمس الذي يتحول أحياناً إلى سؤال صريح في الكواليس: هل سنرى قريباً استيراد عمال من بنغلاديش أو غيرها لسد الفراغ؟
الفكرة ليست جديدة في عالم الصناعات منخفضة التكلفة، لكنها تكتسب في الحالة المغربية طابعاً خاصاً من السخرية. فبدلاً من أن يتطور النموذج نحو تحسين شروط العمل، يبدو أن الحل الأسهل دائماً هو البحث عن يد عاملة “أكثر صبراً”، أو أقل قدرة على المقارنة بين راتبها وتكلفة الحياة.
في المقابل، يغادر العمال المحليون خطوط الإنتاج واحداً تلو الآخر، ليس حباً في الفراغ، بل بحثاً عن شيء بسيط جداً: القدرة على العيش دون حساب يومي دقيق بين الكراء والفاتورة والتنقل. بعضهم ينتقل إلى مدن أقل تكلفة، وبعضهم يغير القطاع بالكامل، وكأن المصنع أصبح محطة عبور لا أكثر.
المفارقة أن طنجة تُقدَّم باعتبارها قطباً صناعياً عالمياً، جزءاً من سلاسل إنتاج السيارات المعقدة والدقيقة، لكن العامل داخل هذه السلسلة ما يزال يعيش معادلة بسيطة جداً: عمل كثير، مقابل أجر لا يكفي كثيراً.
ومع كل هذا، يبقى السؤال معلقاً في الهواء الصناعي للمدينة:
هل الحل فعلاً هو جلب عمال من الخارج؟ أم أن المشكلة في “الكابل” نفسه وليس في من يصنعه؟
قد يكون من الأسهل استيراد اليد العاملة، لكن الأصعب بكثير هو استيراد الاستقرار الاجتماعي معها. فالعامل، سواء كان من طنجة أو من بنغلاديش، سيكتشف في النهاية نفس الحقيقة: لا أحد يستطيع أن يربط بين الإنتاج والكرامة إذا كانت العقدة الأساسية مهملة.
وفي انتظار الجواب، تواصل المصانع البحث عن حل سريع… بينما تواصل الحياة في طنجة رفع الفاتورة ببطء ثابت، وكأنها جزء من خط الإنتاج نفسه.




