
بعد سنوات من الحرب التي استنزفت البشر والاقتصاد والبنية التحتية، تبدو أوكرانيا اليوم وكأنها تدخل مرحلة جديدة عنوانها: البحث عن الأيدي التي ستعيد بناء ما دمرته الحرب. وفي قلب هذا التحول، يبرز اسم العمالة المغربية كأحد الخيارات التي بدأت تحظى باهتمام متزايد داخل دوائر القرار في كييف.
المسألة لم تعد مرتبطة فقط بالحاجة إلى عمال إضافيين، بل بأزمة ديمغرافية ومهنية عميقة خلفها النزاع مع روسيا، بعدما فقدت أوكرانيا جزءاً مهماً من قواها البشرية بين الهجرة والتجنيد والنزوح، وهو ما جعل قطاعات كاملة تشتغل اليوم بأقل من قدرتها الطبيعية.
الحديث عن حاجة البلاد إلى نحو مليوني عامل يكشف حجم المأزق الذي تواجهه الدولة الأوكرانية في مرحلة ما بعد الحرب، خصوصاً أن إعادة الإعمار لا تحتاج الأموال فقط، بل تحتاج أيضاً إلى اليد العاملة القادرة على إعادة تشغيل المصانع، وترميم البنيات، وتحريك عجلة الخدمات والنقل واللوجستيك.
وفي هذا السياق، يظهر المغرب كخزان بشري ومهني تلتفت إليه عدة دول تبحث عن كفاءات متوسطة وتقنية قادرة على الاندماج بسرعة داخل سوق الشغل. فالعامل المغربي راكم خلال العقود الماضية حضوراً قوياً في أسواق أوروبية وخليجية وإفريقية، ما جعله يكتسب سمعة مرتبطة بالمرونة المهنية والقدرة على التأقلم مع بيئات عمل مختلفة.
لكن خلف هذا الانفتاح الأوكراني المحتمل، تبرز أسئلة أكبر تتعلق بمستقبل الهجرة المغربية نفسها. فالمغرب الذي كان لعقود يصدر اليد العاملة نحو أوروبا الغربية، قد يجد نفسه أمام وجهات جديدة وغير تقليدية تفرضها التحولات الجيوسياسية العالمية، حيث بدأت دول تعاني الشيخوخة أو آثار الحروب تبحث بشكل متزايد عن العمالة الأجنبية لتعويض النقص الداخلي.
كما أن أي توجه نحو استقطاب المغاربة للعمل في أوكرانيا سيبقى مرتبطاً بعامل أساسي: مدى استقرار الوضع الأمني والسياسي هناك. فالكثير من العمال قد يترددون في التوجه إلى بلد ما تزال الحرب تلقي بظلالها عليه، حتى وإن كانت المؤشرات الدولية تتحدث عن محاولات لإيجاد تسوية سياسية للنزاع.
وفي الخلفية، تتحرك حسابات دولية معقدة، خاصة مع تجدد النقاش حول إمكانية إنهاء الحرب، واللقاءات المرتقبة التي يسعى إليها الرئيس زيلنسكي مع كل من ترامب والرئيس الصيني ، في محاولة لفتح أفق سياسي جديد بعد سنوات من الاستنزاف.
وبين حسابات السياسة الدولية وحاجيات الاقتصاد، قد يجد آلاف الشباب المغاربة أنفسهم مستقبلاً أمام خيار جديد للهجرة والعمل… لكن هذه المرة نحو بلد خرج لتوه من قلب الحرب، ويبحث الآن عمن يساعده على الوقوف من جديد.




