من اليونان إلى ولماس.. أطفال أثينا لهم الوزير وتلاميذ الخميسات مكدسون في النقل المزدوج

مرة أخرى، يسقط تلميذ مغربي ضحية الإهمال، ومرة أخرى تتحول طرقات المغرب إلى مقابر متنقلة للفقراء، بعد انقلاب حافلة للنقل المزدوج بمنطقة ولماس بإقليم الخميسات، مخلفة إصابات خطيرة ووفاة تلميذ، فقط لأنه وُلد في مغرب لا يعتبر النقل المدرسي أولوية، بل “ترفاً” لا يليق بأبناء القرى والمناطق المهمشة.
التلاميذ الذين كانوا داخل الحافلة لم يكونوا في رحلة سياحية، ولا في مخيم صيفي، ولا في “منتدى دولي للطفولة”، بل كانوا فقط يحاولون الوصول إلى المدرسة، تلك المدرسة التي يخرج المسؤولون كل يوم ليتحدثوا عنها في الندوات والملتقيات وصفحات الفايسبوك الممولة، بينما الوصول إليها في الواقع يحتاج مغامرة قد تنتهي بالموت.
وفي الوقت الذي كانت فيه أسر بولماس تصرخ بين الدم والحديد والخوف، كان الوزير السعدي يتجول في اليونان، يلتقط الصور مع الأطفال اليونانيين، ويشرح لهم التراث المغربي، ويتحدث عن الطفولة والابتسامة والثقافة والتعايش، وكأن أطفال المغرب انتهى دورهم ولم يبقَ سوى تصدير الحكايات الفلكلورية للخارج.
ألو ألو… فينك السعدي؟
واش وصلاتك أخبار بولماس؟
ولا مازال مشغولاً بشرح القفطان والطاجين لأطفال اليونان؟
تعالَ الآن واشرح لعائلات التلاميذ لماذا أطفال اليونان يستحقون الصور والاهتمام، بينما أطفال المغرب يستحقون حافلات مهترئة وموتاً مجانياً على حافة الطريق.
أما وزير التعليم، صاحب “المصاصات” و”مدارس الريادة” وبلاغات الإنجاز الوهمية، فيبدو وكأنه في سبات إداري عميق. لا صوت، لا موقف، لا إحساس بأن وزارة التعليم أصبحت وزارة لتدبير الكوارث اليومية.
ربما سيخرج أحدهم بعد ساعات ليقول إن “الحادث قضاء وقدر”، أو إن “السرعة كانت السبب”، أو إن “التحقيق جارٍ”، بينما الحقيقة أبسط وأقسى:
الدولة التي لا توفر نقلا مدرسيا آمنا للتلاميذ القرويين، تساهم بشكل مباشر في صناعة هذه المآسي.
أي ريادة هذه التي يتحدثون عنها؟
هل الريادة هي أن يقطع التلميذ الكيلومترات في حافلة متهالكة ثم يعود جثة؟
هل “النمذجة” التي يتغنون بها تصلح لشرح كيفية دفن الأطفال أيضا؟
في المغرب الرسمي، كل شيء جميل داخل المؤتمرات والفيديوهات الترويجية.
أما المغرب الحقيقي، فطفل يحمل محفظته صباحا ولا أحد يعرف إن كان سيعود بها مساء أم سيعود ملفوفا في كفن.
ولماس اليوم ليست مجرد حادثة سير.
بولماس فضيحة مسؤولين يتقنون التصوير أكثر مما يتقنون حماية أطفال المغاربة




