فساد المسؤولين… حين تتحول المناصب العمومية من خدمة للمواطن إلى وسيلة للإثراء

أعاد الحكم الصادر عن غرفة جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بمدينة الدار البيضاء في حق محمد مبديع، والمتعلق بملف تبديد أموال عمومية واستغلال النفوذ والارتشاء، النقاش مجددا حول ظاهرة فساد بعض المسؤولين واستغلال مواقع المسؤولية لتحقيق مصالح شخصية على حساب المال العام ومصالح المواطنين.
ورغم تعدد الشعارات التي ترفع حول الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن عددا من ملفات الفساد التي تفجرت خلال السنوات الأخيرة كشفت حجم الاختلالات التي تعرفها بعض المؤسسات والجماعات الترابية، حيث تحولت مناصب يفترض أن تكون لخدمة المواطنين إلى أدوات للنفوذ وتبادل المصالح والاغتناء غير المشروع.
ويعتبر المال العام من أكثر القضايا حساسية داخل أي دولة، لأن تبديده لا يعني فقط ضياع أرقام في التقارير المالية، بل ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين، من خلال تعثر المشاريع وضعف البنيات التحتية وتراجع جودة الخدمات الأساسية، سواء في التعليم أو الصحة أو النقل أو التنمية المحلية.
ويرى متابعون أن أخطر ما في الفساد ليس فقط حجم الأموال المهدورة، بل الأثر النفسي والاجتماعي الذي يتركه على المجتمع، حين يفقد المواطن ثقته في المؤسسات وفي مبدأ تكافؤ الفرص، ويشعر أن النفوذ والسلطة قد يتحولان إلى وسيلة للإفلات من المحاسبة أو تحقيق امتيازات خاصة.
كما أن استمرار بعض مظاهر الفساد الإداري والسياسي يساهم في توسيع الفوارق الاجتماعية، ويعرقل أي نموذج تنموي حقيقي، لأن الاستثمار والتنمية يحتاجان إلى مناخ قائم على الثقة والشفافية واحترام القانون، وليس على الزبونية والولاءات الشخصية.
وفي المقابل، يرى كثيرون أن فتح ملفات الفساد وإصدار أحكام قضائية في حق مسؤولين سابقين يشكل رسالة مهمة تؤكد أن المحاسبة أصبحت ضرورة لا يمكن تجاوزها، وأن حماية المال العام لم تعد مجرد خطاب سياسي، بل مسؤولية مرتبطة باستقرار الدولة وثقة المواطنين في مؤسساتها.
غير أن محاربة الفساد، بحسب عدد من المختصين، لا يمكن أن تتوقف عند المتابعات القضائية فقط، بل تحتاج أيضا إلى إصلاحات عميقة تشمل تعزيز آليات الرقابة، وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي، وتوسيع الشفافية في تدبير الصفقات العمومية، إلى جانب حماية المبلغين عن الفساد وترسيخ ثقافة النزاهة داخل الإدارة العمومية.
ويبقى الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط في معاقبة المتورطين بعد وقوع التجاوزات، بل في بناء منظومة مؤسساتية تمنع الفساد قبل وقوعه، وتجعل من المسؤولية العمومية تكليفا لخدمة المواطنين، لا فرصة لتحقيق الامتيازات والمصالح الخاصة.




