جنيف تفتح ملف الجزائر داخل الأمم المتحدة.. المجتمع المدني يدخل على خط المواجهة

في جنيف، لم يكن النقاش هذه المرة حول قرار سياسي جديد أو مواجهة دبلوماسية مباشرة، وإنما حول سؤال أكثر حساسية: إلى أي حد يمكن أن تتحول الإجراءات الإدارية داخل المؤسسات الأممية إلى ساحة صراع غير مباشر بين الدول والمنظمات التي تنشط في ملفات خلافية؟
هذا السؤال طفا إلى السطح خلال ندوة احتضنها قصر الأمم، الجمعة، حيث وجهت مداخلات انتقادات إلى طريقة تعامل الجزائر مع عدد من منظمات المجتمع المدني داخل لجنة المنظمات غير الحكومية التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة. وتركز النقاش على استعمال طلبات المعلومات ومساطر الاعتماد، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمنظمات تتناول قضايا سياسية حساسة.
القضية لم تأت من فراغ. فوجود ممثل جزائري في منصب نائب رئيس لجنة المنظمات غير الحكومية لسنة 2026 جعل اسم الجزائر حاضرا بقوة في النقاش، بعدما أثارت الندوة تساؤلات حول كيفية تدبير بعض الملفات المعروضة أمام اللجنة. وبحسب المعطيات التي قدمت خلال اللقاء، فإن منظمة «سيراك» واجهت سلسلة من الأسئلة المرتبطة بأنشطتها ومصادر تمويلها وشركائها، قبل أن يمتد النقاش إلى نشاطها المتصل بقضية الصحراء، مع طرح اقتراح بتعليق مركزها الاستشاري لمدة سنة.
وهنا تحديدا تتجاوز المسألة حدود منظمة واحدة. فحين تدخل قضايا مثل الصحراء إلى دهاليز لجان الاعتماد الأممية، يصبح السؤال حول استقلالية المجتمع المدني جزءا من صراع أوسع على الرواية والشرعية والمساحات التي تتحرك فيها المنظمات داخل المؤسسات الدولية. أنصار الانتقادات الموجهة للجزائر يرون أن تكرار طلب المعلومات يمكن أن يتحول إلى ضغط، بينما تظل القاعدة الأساسية أن أي إجراء تقييدي ينبغي أن يستند إلى وقائع قابلة للتحقق وأن يمنح الطرف المعني حق الرد.
وبين الاتهام والرد، تبقى المؤسسات الأممية هي الساحة التي يفترض أن تحسم في هذه الملفات وفق المساطر والقواعد المعمول بها، لا وفق قوة الخطاب السياسي. فالمعركة في جنيف ليست بالضرورة معركة أصوات مرتفعة، بل معركة وثائق ومحاضر واعتمادات وإجراءات، وقد تكون نتائجها أكثر أهمية مما يبدو، خصوصا بالنسبة للمنظمات التي تختار الاشتغال على ملفات إقليمية شديدة الحساسية.
وفي نهاية المطاف، فإن ما جرى في جنيف يسلط الضوء على وجه آخر من وجوه الصراع الدبلوماسي: المعركة لا تجري دائما فوق طاولة المفاوضات، بل قد تنتقل إلى اللجان، والاعتمادات، والوثائق، ومن يملك القدرة على الدفاع عن روايته داخل المؤسسات الدولية.




