“بارد الكتاف”.. كلمة واحدة لا تفسر مأساة وطن

بقلم: المسكين يوسف
في خضم موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها سواحل الفنيدق، عاد ذلك الوصف الجاهز الذي يردده البعض كلما هاجر شاب مغربي: “بارد الكتاف… لا يريد أن يعمل.” وكأن الأزمة التي تدفع آلاف الشباب إلى المجازفة بحياتهم يمكن اختزالها في كلمتين، وكأن الواقع بكل تعقيداته يختفي أمام حكم جاهز لا يحتاج إلى تفكير.
لكن هذه الصورة، التي يظهر فيها شاب يحمل أمه على ظهره وهو يشق مياه البحر، تطرح أسئلة لا يجرؤ أصحاب الأحكام السريعة على الإجابة عنها.
ماذا لو كان هذا الشاب يعلم أن والدته، إن بقيت وحدها، ستواجه المرض دون علاج، والحاجة دون سند، والشيخوخة دون رعاية؟ ماذا لو كان يدرك أن دخله المعدوم لن يوفر لها دواء، ولا غذاء، ولا حياة كريمة؟ أيمكن بعد ذلك اختزال قصته في عبارة “يبحث عن الراحة”؟
هذا الشاب لا يحمل حقيبة سفر، بل يحمل مسؤولية ثقيلة. يحمل أما أفنت عمرها في تربيته، ويعلم أن تركها خلفه قد يعني تركها لمصير مجهول. لذلك قرر أن يحملها معه، لا لأن البحر أكثر رحمة، بل لأنه لم يعد يثق بأن اليابسة قادرة على حمايتها.
إن العلاقة بين الابن وأمه هنا ليست مجرد مشهد إنساني مؤثر، بل هي انعكاس لعقد اجتماعي بدأ يتآكل. ففي الدول التي توفر حماية اجتماعية حقيقية، لا يشعر الابن بأن مستقبل والدته يتوقف بالكامل على وجوده إلى جانبها. هناك معاش يحفظ الكرامة، ورعاية صحية تضمن العلاج، ومؤسسات تحمي كبار السن من الحاجة والعوز.
أما حين تغيب هذه الضمانات، يتحول الابن إلى صندوق تقاعد، وإلى تأمين صحي، وإلى مصدر الدخل الوحيد، وإلى الأمل الأخير. وعندما يفقد هو الأمل، يصبح الجميع مهددين بالسقوط معه.
الهجرة، في كثير من الأحيان، ليست هروبا من العمل، بل بحثا عن فرصة للعمل. وليست رفضا للوطن، بل محاولة للبحث عن الوسائل التي تمكن الإنسان من إعالة أسرته وحماية والديه من الفقر والمرض. فالشاب الذي يخاطر بحياته في البحر يعلم جيدا أن احتمال الغرق قائم، لكنه يرى أيضا أن البقاء بلا عمل وبلا أفق قد يكون غرقا بطيئا لا يقل قسوة.
والأغرب أن كثيرا ممن كانوا يوصفون داخل المغرب بـ“باردي الكتاف” و“باغينها باردة”، ما إن وصلوا إلى أوروبا حتى تحولوا إلى عمال منضبطين، يشتغلون لساعات طويلة في الفلاحة والبناء والمصانع والمطاعم والخدمات، ويؤدون أعمالا شاقة لا يقبل بها كثيرون. وهذا يطرح سؤالا بسيطا: إذا كانوا يرفضون العمل، فلماذا أصبحوا هناك نموذجا في الانضباط والإنتاج؟ هل كان الخلل في الشباب، أم في غياب الفرص داخل وطنهم؟
بل إن عددا كبيرا منهم، بعد تسوية أوضاعهم القانونية، لم ينسوا المغرب ولا عائلاتهم، وإنما أصبحوا السند الأول لها. يرسلون شهريا جزءا من دخولهم لإعالة آبائهم وأمهاتهم وإخوتهم، ويتكفلون بمصاريف العلاج، ويساعدون أقاربهم على تجاوز أزمات مالية، في وقت كان يفترض أن تضمن فيه منظومة الحماية الاجتماعية والرعاية الصحية للمواطن حق العلاج والعيش الكريم.
ولم يتوقف الأمر عند التحويلات المالية، بل إن كثيرين عادوا بعد سنوات ليستثمروا في المغرب، فأنشؤوا مشاريع تجارية وفلاحية وصناعية صغيرة، وخلقوا فرص شغل لغيرهم، وساهموا في تنشيط الاقتصاد المحلي. كما أن آلاف المغاربة الذين تستقبلهم البلاد كل صيف في إطار عملية “مرحبا”، ويحتفى بهم باعتبارهم رافعة للاقتصاد الوطني ومصدرا مهما للعملة الصعبة، هم في نسبة كبيرة منهم أشخاص غادروا المغرب في ظروف صعبة، وبعضهم عبر طرق الهجرة غير النظامية. أولئك الذين كانوا بالأمس يتهمون بأنهم “باردو الكتاف”، أصبحوا اليوم يحظون بالترحيب لأنهم يساهمون في دعم الاقتصاد الوطني وتحريك عجلة الاستهلاك والاستثمار.
بل إن تحويلات مغاربة العالم لا تنقذ عائلاتهم فقط، وإنما تخفف أيضا العبء عن الدولة نفسها. فكم من أب أو أم تلقى العلاج بأموال ابنها المهاجر؟ وكم من أسرة تعيش بفضل تحويلاته الشهرية؟ وكم من طالب أكمل دراسته أو مريض أجرى عملية جراحية بفضل أخ أو ابن هاجر؟ إنها أدوار اجتماعية واقتصادية يتحملها المهاجرون، بينما كان من المفترض أن تكفلها السياسات العمومية وأنظمة الحماية الاجتماعية.
السؤال الحقيقي إذن ليس: لماذا هاجر؟ بل: لماذا وصل إلى مرحلة رأى فيها أن البحر، بكل مخاطره، أصبح أقل قسوة من مستقبله داخل وطنه؟
إن اختزال هذه المأساة في عبارة مثل “بارد الكتاف” ليس مجرد ظلم للشباب، بل هو تهرب من مناقشة الأسباب الحقيقية للأزمة. فالتجربة أثبتت أن هؤلاء الشباب لم يكونوا يرفضون العمل، وإنما كانوا يبحثون عن فرصة للعمل. وعندما وجدوها خارج المغرب، أثبتوا قدرتهم على الإنتاج والانضباط وتحمل المسؤولية، وتحولوا إلى عصب اقتصادي لعائلاتهم، وإلى مصدر مهم للعملة الصعبة، وإلى مستثمرين يخلقون فرص الشغل في وطنهم.
وربما تكون تلك الصورة، التي يحمل فيها الابن أمه وسط أمواج البحر، أبلغ من آلاف الخطب السياسية. فهي لا تظهر شابا يبحث عن الرفاهية، بل ابنا يحمل على كتفيه مسؤولية أسرته، ويخاطر بحياته من أجل مستقبل يراه أكثر أمنا لأمه ولعائلته. إنها صورة تقول إن القضية ليست قضية كسل أو حب للراحة، بل قضية كرامة، وأمل، وعدالة اجتماعية، وحماية للأمهات والآباء حتى لا يصبح البحر، بكل مخاطره، أرحم من اليابسة.




