المغرب

لشكر… آخر حراس الكراسي يتحدث عن المسؤولية!

مرة أخرى، يختار إدريس لشكر أن يلعب على الحبلين، فلا هو معارضة حقيقية تواجه الحكومة، ولا هو أغلبية تتحمل مسؤولية ما يقع. خطاب رمادي، لا لون له ولا طعم، يوزع المسؤولية على الجميع حتى لا يغضب أحد، ويهاجم المعارضة حتى يبعث برسائل الود إلى الحكومة، وكأن الأولوية لم تعد الدفاع عن المواطنين، بل ضمان موقع في الخريطة السياسية المقبلة.

يقول إنه يرفض “المتاجرة بآلام الناس”، لكن المغاربة لا ينتظرون من السياسيين المتاجرة بالمآسي، بل ينتظرون منهم مواقف واضحة وصريحة. عندما يختار آلاف الشباب البحر، وعندما تتحول الأمواج إلى مقبرة مفتوحة، فإن الوقت ليس وقت الاختباء وراء عبارة “كلنا مسؤولون”. المسؤولية السياسية لها أسماء، ولها مواقع، ولها قرارات، وليست مجرد شعار فضفاض يذيب كل شيء في عبارة واحدة.

لكن الأغرب أن هذا الكلام يصدر عن رجل يجلس على رأس حزبه منذ سنوات طويلة، وكأن الاتحاد الاشتراكي أصبح ملكية خاصة لا حزباً سياسياً. أين هو التداول على القيادة؟ أين هي الديمقراطية الداخلية؟ أين هي الوجوه الشابة التي كانت تحلم بقيادة حزب صنع جزءاً مهماً من تاريخ المغرب السياسي؟

كل من حاول أن يرفع رأسه داخل الحزب أو يعبر عن رأي مخالف وجد نفسه، بحسب ما يردده العديد من منتقدي القيادة، خارج دوائر القرار، بينما بقي الزعيم في مكانه لا يتغير، وكأن الزمن توقف داخل أسوار الحزب. الشباب يُطلب منهم الصبر، لكن أبواب القيادة تبقى موصدة في وجوههم.

ثم يأتي من يتساءل لماذا يهاجر الشباب!

وهل تركتم لهم شيئاً غير البحر؟

عندما يرى الشاب أن المناصب السياسية لا تتغير إلا نادراً، وأن الوجوه نفسها تتحدث باسمه منذ عقود، وأن الأحزاب التي يفترض أن تؤطره أصبحت عاجزة عن تجديد نفسها، فمن الطبيعي أن يفقد الثقة في السياسة وفي الوعود وفي الشعارات.

إن أخطر ما في خطاب إدريس لشكر ليس رفضه تحميل الحكومة المسؤولية وحدها، وإنما محاولته الظهور دائماً في المنطقة الآمنة؛ فلا يغضب السلطة، ولا يقطع مع المعارضة، ويبقي جميع الأبواب مفتوحة، في انتظار ما ستسفر عنه الانتخابات المقبلة. إنها سياسة الإمساك بالعصا من الوسط، حتى وإن كان الثمن هو ضياع الوضوح والمصداقية.

الشباب الذين ابتلعهم البحر لم يكونوا يبحثون عن بيانات الأحزاب، بل كانوا يبحثون عن فرصة عمل، وعن كرامة، وعن أمل في المستقبل. لكنهم وجدوا أمامهم مشهداً سياسياً يكرر الوجوه نفسها، والخطابات نفسها، والحسابات نفسها.

اليوم، لا يحتاج المغرب إلى سياسيين يتقنون توزيع المسؤولية على الجميع، بل يحتاج إلى من يمتلك الشجاعة ليقول الحقيقة كاملة، ويتحمل مسؤوليته كاملة، ويؤمن بأن الأحزاب لا تُبنى بالأشخاص، بل بتجديد النخب وإفساح المجال للأجيال الجديدة.

أما أن يبقى الزعيم في كرسيه لعقود، ثم يخاطب الشباب عن المسؤولية والصبر، فذلك هو التناقض الذي يجعل كثيراً من المغاربة يعتقدون أن بعض السياسيين أصبحوا جزءاً من الأزمة، لا جزءاً من الحل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى