المغرب

هذي كذبة باينة!


في المغرب، يبدو أن هناك بلدين لا علاقة لأحدهما بالآخر. الأول نراه في التصريحات الرسمية، حيث الشباب يشترون المنازل قبل بلوغ الثلاثين، ويعيشون الرفاه بفضل دعم 10 ملايين سنتيم. أما الثاني، فهو البلد الذي يراه المغاربة كل يوم، حيث آلاف الشباب يبيعون هواتفهم، ويستدينون، ويخاطرون بالغرق لأنهم لم يجدوا حتى ثمن الكراء، فما بالك بثمن منزل.
حين صرحت فاطمة الزهراء المنصوري بأن أغلب الشباب أقل من 30 سنة أصبحوا يمتلكون منزلا بفضل الدعم الحكومي، لم يكن ينقصنا سوى أن نسأل أولئك الذين سبحوا نحو سبتة: واش نسيتو الديور مفتوحة ورجعتو للبحر؟
إذا كانت أغلبية الشباب تمتلك المنازل، فمن أين خرجت كل هذه الحشود التي ملأت الشواطئ؟ هل كانوا ذاهبين في رحلة سياحية؟ أم أنهم سئموا من الجلوس في “الفيلات” وقرروا تجربة النوم في البحر؟
ثم إن الدعم الذي يتحدثون عنه لا يشتري منزلا، بل قد لا يغطي حتى ثمن “الكوزينة” في بعض المدن. أما باقي المبلغ، فيحتاج إلى قرض، والقرض يحتاج إلى دخل قار، والدخل القار يحتاج إلى وظيفة… والوظيفة أصبحت بالنسبة لكثير من الشباب مثل العنقاء؛ الجميع يتحدث عنها ولا أحد يراها.
والأطرف من ذلك أن الشاب نفسه الذي كان يوصف داخل المغرب بـ”بارد الكتاف” و”باغيها باردة”، ما إن تطأ قدماه أوروبا حتى يتحول، بطريقة سحرية، إلى عامل يستيقظ قبل الفجر، ويعمل في الفلاحة والبناء والمصانع، ويرسل المال إلى أسرته، ويبني بيتا في المغرب، ويؤدي مصاريف علاج والديه، ويأتي كل صيف في عملية “مرحبا” محملا بالهدايا والعملات الصعبة.
بالأمس كان “بارد الكتاف”… واليوم أصبح “منعش الاقتصاد الوطني”!
أي سحر هذا؟ هل غيرت أوروبا حمضه النووي؟ أم أن المشكلة لم تكن يوما في الشباب، بل في السياسات التي لم تمنحه فرصة ليشتغل ويعيش بكرامة داخل بلده؟
الحقيقة أن الشباب لا يكذب التصريحات بالتعليقات على فيسبوك، بل يكذبها بالواقع. عندما ترى آلاف الشباب يهربون من بلد قيل لهم إنهم أصبحوا فيه ملاكا للعقارات، فلا بد أن هناك من يعيش في عالم مواز.
قد تكذب الأرقام أحيانا، وقد تجمل البلاغات الواقع، لكن البحر لا يكذب. والشباب الذين خاطروا بحياتهم لا يفعلون ذلك لأنهم يملكون منازل، بل لأنهم يبحثون عن فرصة تمكنهم يوما من امتلاك بيت، أو حتى غرفة، أو مجرد مستقبل.
لذلك، عندما يقال إن “أغلب الشباب أقل من 30 سنة يملكون منزلا بفضل الدعم الحكومي”، فلا يملك المواطن البسيط إلا أن يبتسم، وينظر إلى شواطئ الفنيدق، ثم يردد الجملة التي أصبحت تختصر كل شيء:
“هذي كذبة باينة.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى