
لم تعد قضية أفران الجير بمنطقة صنهاجة التابعة لإقليم صفرو مجرد شكايات متفرقة لسكان متضررين من الأدخنة والروائح المنبعثة من عمليات الحرق، بل أصبحت عنواناً لإشكالية أعمق تتعلق بكيفية التوفيق بين متطلبات النشاط الاقتصادي وحق المواطنين في بيئة سليمة تضمن لهم شروط العيش الكريم.
فالمنطقة التي تعتمد بشكل أساسي على الفلاحة وتربية الماشية والأنشطة القروية التقليدية، تجد نفسها اليوم أمام واقع يثير الكثير من علامات الاستفهام. فبينما توفر أفران الجير فرص شغل ومداخيل اقتصادية لفئات من الساكنة، تتزايد في المقابل المخاوف من الكلفة البيئية والصحية التي قد تؤديها المنطقة وسكانها على المدى البعيد.
اللافت في هذا الملف أن النقاش لم يعد مقتصراً على الانبعاثات الدخانية فقط، بل امتد ليشمل التساؤل حول فعالية آليات المراقبة ومدى التزام مختلف الوحدات الإنتاجية بالمعايير البيئية المعمول بها. فحين تتكرر شكاوى المواطنين لسنوات، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت الجهات المختصة تقوم بالمراقبة الدورية اللازمة، وما إذا كانت نتائج هذه المراقبة متاحة للرأي العام المحلي.
الأخطر من ذلك أن التأثيرات المحتملة لا تقتصر على المجال الصحي، بل قد تمس أحد أهم أعمدة الاقتصاد المحلي، وهو القطاع الفلاحي. فالأراضي الزراعية المحيطة بهذه الأفران تشكل مصدر رزق لمئات الأسر، وأي تدهور في جودة التربة أو تأثير على الأشجار والمزروعات ستكون له انعكاسات مباشرة على المردودية الفلاحية وعلى دخل الساكنة.
وفي هذا السياق، يطرح متابعون للشأن المحلي سؤالاً جوهرياً: هل تمت مواكبة توسع هذه الأنشطة الصناعية بدراسات دورية لقياس جودة الهواء والتأثيرات البيئية المحتملة؟ أم أن المنطقة تُترك لمعادلة غير متوازنة تجعل المواطن يتحمل وحده نتائج أي اختلال بيئي محتمل؟
وليس هذا أول تحذير بشأن الوضع البيئي بالمنطقة، فقد سبق لجريدة “صفرو بريس” أن نبهت في أكثر من مناسبة إلى خطورة الوضع وإلى تنامي المخاوف المرتبطة بانبعاثات أفران الجير وتأثيراتها المحتملة على صحة الساكنة والمجال الفلاحي. غير أن استمرار الجدل وعودة الملف إلى الواجهة يؤشران على أن الإشكال لم يجد بعد طريقه إلى معالجة جذرية وشاملة.
إن الرهان اليوم لا يتمثل في إغلاق الأنشطة الاقتصادية أو محاربة الاستثمار، بل في فرض احترام القانون وضمان التوازن بين الإنتاج وحماية البيئة. فالتنمية الحقيقية ليست تلك التي تحقق الأرباح فقط، وإنما التي تحافظ أيضاً على صحة الإنسان وعلى الموارد الطبيعية للأجيال المقبلة.
وأمام تزايد القلق وسط الساكنة، تبدو الحاجة ملحة إلى فتح تحقيق ميداني شامل تشارك فيه مختلف المصالح المختصة، مع نشر نتائجه للرأي العام بكل شفافية. فحق المواطنين في معرفة حقيقة ما يجري داخل محيطهم البيئي لا يقل أهمية عن حقهم في التنفس في هواء نقي والعيش في بيئة آمنة.
إن مستقبل صنهاجة لا ينبغي أن يكون رهين معادلة تختار بين الشغل والبيئة، بل يجب أن يقوم على تنمية مسؤولة تجعل الاقتصاد في خدمة الإنسان، لا أن يتحول الإنسان إلى ضحية جانبية لمشاريع التنمية.




