المغرب

أصبح طلب الحق مخاطرة: عمال الحراسة بين “التنقيل العقابي” وصمت المؤسسات الوسيطة


في قطاع يبدو في ظاهره خدمياً بسيطاً، لكنه في عمقه يعكس شكلًا من أشكال التنظيم الاجتماعي للعمل، يطفو من جديد ملف عمال وعاملات الحراسة الخاصة والنظافة بالوكالات البنكية، بعد مراسلة نقابية موجهة إلى السيد عثمان بنجلون بصفته رئيس المجموعة المهنية لبنوك المغرب، بشأن وضعيات اجتماعية ومهنية وُصفت بالمقلقة داخل شركة الخدمات AINSI MAROC التي تُشغّل عدداً من العمال في وكالات بنكية تابعة لمؤسسات مالية كبرى.
المعطيات الواردة في مراسلة النقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والطبخ، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، تشير إلى اختلالات مهنية واجتماعية تمس وضع هؤلاء العمال، من بينها الحرمان من مستحقات الأقدمية، والتنقيل التعسفي، والطرد في بعض الحالات، إضافة إلى التضييق على العمل النقابي ومحاولة الحد من الانتماء النقابي.
لكن جوهر الإشكال لا يتوقف عند حدود الشكايات، بل يمتد إلى طبيعة النموذج التشغيلي نفسه، حيث لا يكون المشغل الفعلي دائماً هو الطرف الذي يظهر مباشرة في العلاقة اليومية مع العامل، بل شركة وسيطة تتحمل الالتزامات القانونية، في حين تبقى المؤسسة المستفيدة في موقع “الإشراف غير المباشر”.
في هذا النموذج، يصبح العامل في موقع هشّ ومعقد: فهو مرتبط بعقد قانوني، لكن شروط العمل الواقعية تُدار في مكان آخر، وغالباً ما تكون قرارات مثل التنقيل أو إعادة التوزيع أو إنهاء العقد محاطة بطابع إداري يبدو عادياً، لكنه قد يتحول إلى وسيلة ضغط حين يرتبط بسياق المطالبة بالحقوق أو النشاط النقابي.
الأخطر في هذا المسار أن الحق في حد ذاته قد يتحول إلى سبب غير معلن للعقوبة. فالمفترض أن المطالبة بالأجر العادل أو التعويضات أو ظروف العمل اللائق هي ممارسة طبيعية داخل أي علاقة شغل. غير أن الواقع في بعض الحالات يكشف عن تداخل دقيق بين المطالبة والنتيجة، حيث تتحول بعض الإجراءات الإدارية إلى ما يشبه “عقوبات ناعمة”: تنقيل إلى مواقع أقل استقراراً، أو إعادة توزيع مفاجئة للمهام، أو إنهاء علاقة العمل دون تصريح مباشر بالسبب الحقيقي.
هنا لا تكون العقوبة معلنة، لكنها تُفهم داخل بيئة العمل كرسالة واضحة: المطالبة لها تكلفة. وهذا ما يجعل العلاقة بين العامل والمؤسسة علاقة غير متوازنة، حيث يتحول الخوف من فقدان الاستقرار إلى عامل ضبط غير رسمي للسلوك المهني والنقابي.
في المقابل، تلعب النقابات دوراً محورياً في محاولة إعادة التوازن إلى هذه العلاقة، من خلال نقل الملفات إلى مستويات تفاوضية أعلى، كما في مراسلة رئيس المجموعة المهنية لبنوك المغرب، في محاولة لفتح نقاش لا يقتصر على الشركة المشغلة فقط، بل يشمل أيضاً المؤسسات المستفيدة من خدماتها.
لكن استمرار هذه الإشكالات يعيد طرح سؤال أوسع حول فعالية منظومة حماية الأجراء في قطاعات المناولة والخدمات: هل يكفي وجود إطار قانوني لتأمين الحقوق، أم أن طبيعة التنفيذ وآليات المراقبة هي الحاسمة في تحويل النص إلى حماية فعلية؟
في النهاية، لا يتعلق الأمر بحادثة معزولة، بل ببنية تشغيلية كاملة تُدار عبر وساطة متعددة المستويات، تجعل العامل في مواجهة شبكة من العلاقات بدل طرف واحد واضح. وبين النص القانوني والواقع اليومي، تتشكل مساحة رمادية يصبح فيها طلب الحق فعلاً مكلفاً، رغم أنه يفترض أن يكون أبسط الحقوق.
ويبقى السؤال مفتوحاً: حين يتحول الحق إلى سبب ضمني للعقوبة، هل المشكلة في القانون، أم في طريقة اشتغال المنظومة التي يُفترض أن تُفعّله؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى