المغرب

حين يتحول الهدم إلى تشريد: مأساة شيخ مسن تفضح أعطاب “الدولة الاجتماعية”


في مشهد يختزل كثيراً من التناقضات، وجد شيخ يبلغ من العمر 86 سنة نفسه فجأة في مواجهة الشارع، بعد قرار هدم أنهى أربعة عقود من الاستقرار البسيط داخل المدينة القديمة بالدار البيضاء. لم يكن الرجل يطلب أكثر من أن يواصل حياته بكرامة، يبيع الحلوى يوماً والبيض يوماً آخر، دون أن يمد يده لأحد. لكن القرار كان أسرع من عمره، وأقسى من ذاكرته.
“غادي نخرج ننعس فالزنقة… ماعنديش فين نمشي”، عبارة تختصر كل شيء: الخوف، العجز، والإحساس بأن العمر الطويل لم يكن كافياً ليضمن له نهاية إنسانية.
القضية هنا لا تتعلق فقط بقرار هدم، قد يكون مبرراً تقنياً أو عمرانياً، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق: كيف يمكن لسياسات عمومية، تُقدَّم تحت عنوان “إعادة الهيكلة” أو “التأهيل الحضري”، أن تتحول في بعض الحالات إلى آلية لإنتاج الهشاشة بدل معالجتها؟
لا أحد يعارض تحسين المدن أو إزالة البنايات الآيلة للسقوط، لكن ما يثير القلق هو غياب البعد الاجتماعي المصاحب. فحين يُطلب من مواطن مغربي، في عقده التاسع، أن يواجه مصيره وحده، دون تعويض أو بديل أو حتى مرافقة إنسانية، فإن الأمر يتجاوز مجرد خلل إداري ليصل إلى اختلال في فلسفة التدبير.
هذا النموذج يعيد طرح سؤال “الدولة الاجتماعية” الذي يُرفع كشعار: هل يكفي الإعلان عن برامج ومخططات، أم أن المعيار الحقيقي هو كيفية التعامل مع الحالات الهشة في الميدان؟ لأن الدولة تُقاس، في النهاية، بقدرتها على حماية الأضعف، لا بإحصائيات المشاريع.
الأخطر أن هذه الحالة ليست معزولة. فخلف قصة هذا الشيخ، توجد عشرات، بل مئات الأسر التي تعيش على وقع القلق نفسه، بين إشعارات الهدم وضبابية المصير. كثيرون لا يملكون صوتاً يوصل معاناتهم، ولا كاميرا تنقل مأساتهم، فيتحول التشريد إلى واقع صامت.
المفارقة المؤلمة أن الرجل لم يكن متكلاً على أحد، بل كان نموذجاً للاعتماد على النفس، لكن المنظومة لم تكافئ هذا السلوك، بل عاقبته بشكل غير مباشر، حين لم توفر له الحد الأدنى من الحماية عند لحظة الانكسار.
إن ما حدث يفرض أكثر من مجرد تعاطف، بل يستدعي مساءلة حقيقية لآليات تنفيذ قرارات الهدم، ومدى احترامها للكرامة الإنسانية. فليس من المقبول أن يتحول هدف “تأهيل المدينة” إلى سبب في تهجير سكانها، ولا أن يُترك كبار السن لمواجهة الشارع كخيار أخير.
في النهاية، يبقى السؤال معلقاً: هل نحن أمام حالة استثنائية، أم أمام مؤشر على خلل أعمق؟ لأن الجواب عن هذا السؤال هو الذي سيحدد ما إذا كانت “الدولة الاجتماعية” واقعاً ملموساً، أم مجرد خطاب جميل يصطدم بأرصفة المدن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى