العالمالمغرب

حيجاوي.. من ادعاء امتلاك الأسرار إلى البحث عن مخرج

لم تعد قصة المهدي حيجاوي مجرد مواجهة إعلامية بين شخص يقدم نفسه باعتباره حاملا لأسرار خطيرة، وبين مؤسسات مغربية ينفي ما ينسب إليها. التطورات التي كشفت عنها الصحافة الإسبانية خلال الأيام الأخيرة دفعت الملف إلى مساحة أكثر تعقيدا، بعدما ظهرت معطيات تتحدث عن اتصالات بشخصيات وشبكات مرتبطة بملفات استخباراتية وإجرامية، إلى جانب تحركات كان الهدف منها، وفق الرواية المنشورة، تفادي تسليمه إلى المغرب.

أبرز ما يلفت الانتباه في هذه القضية هو المسار الذي قيل إن حيجاوي سلكه داخل إسبانيا. فبدلا من الاكتفاء بالمسار القانوني، تحدث التحقيق الإسباني عن استعانته بشبكة مرتبطة بهوغو أرماندو كارفاخال باريوس، المعروف بـ«إل بويو»، وهو مسؤول سابق في الاستخبارات العسكرية الفنزويلية ارتبط اسمه بملفات قضائية وأمنية دولية. ووفقا لما نشرته الصحافة الإسبانية، لم تكن هذه العلاقة مجرد معرفة عابرة، بل جاءت في سياق البحث عن ترتيبات تساعد حيجاوي على وضعه في إسبانيا.

الأكثر إثارة للجدل كان ما يتعلق بتاريخ 7 أكتوبر 2024، حين تحدثت التقارير عن تقديم حيجاوي ما وصفه بـ«معلومات حصرية» إلى النيابة العامة بالمحكمة الوطنية الإسبانية، برئاسة خيسوس ألونسو، في وقت كان يبحث فيه عن حماية تحول دون تسليمه إلى المغرب.

وهنا يظهر أحد أكثر فصول القضية حساسية: تحويل المعلومات التي يدعي صاحبها أنها سرية إلى وسيلة للتفاوض على وضعه الشخصي. فقد حاول، بحسب الرواية المنشورة، تقديم نفسه باعتباره صاحب معطيات قادرة على إحداث فرق في ملفات أمنية وسياسية داخل إسبانيا، ومن بينها قضية برنامج «بيغاسوس» التي طالت رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز وعددا من أعضاء حكومته.

لكن هذا الادعاء واجه سؤالا زمنيا وقانونيا صعبا. فالمعطيات التي قيل إن حيجاوي يملكها ترتبط بملف ظهر إلى الواجهة بعد سنوات من مغادرته وظيفته، وهو ما دفع السلطات الإسبانية، وفق ما أوردته المصادر، إلى طلب إحالة المعلومات إلى القاضي المكلف بملف «بيغاسوس». ومع انتقال المسألة من مستوى الادعاءات إلى مستوى تقديم الأدلة أمام القضاء، لم تتضح الصورة التي كان يروج لها حيجاوي بالصورة التي توحي بها تصريحاته.

ثم جاءت ورقة أخرى أكثر حساسية: الجزائر.

التقارير الإسبانية تحدثت عن تفكير حيجاوي في الانتقال إلى الجزائر، إلى جانب وجهات أخرى، بعد تعقد وضعه في إسبانيا. وهذه النقطة اكتسبت أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة العلاقات المغربية الجزائرية، خصوصا إذا كانت الغاية من الانتقال هي البحث عن حماية أو الاستفادة من المعلومات التي يدعي امتلاكها.

وفي موازاة ذلك، أعادت التسريبات المنسوبة إلى مجموعة «أطلس هاكرز» فتح ملف العلاقة بين حيجاوي وهشام جيراندو. فقد نشرت المجموعة خلال الأشهر الماضية تسجيلات ومراسلات قالت إنها تكشف طبيعة التواصل بين الرجلين، وتحدثت إحدى المواد المتداولة عن مكالمة تتعلق بموعد في القنصلية الجزائرية.

هذه التسجيلات لا يمكن، من الناحية القانونية، اعتبارها أحكاما قضائية بمجرد تداولها، لكنها أضافت طبقة جديدة إلى الأسئلة المطروحة حول طبيعة تحركات حيجاوي وعلاقاته والجهات التي كان يتواصل معها.

والمفارقة أن الرجل سبق أن واجه اتهامات وتسريبات سابقة من خلال بيانات دفاعية ومحامين، ونفى ما نسب إليه من تواصل أو تسريب معلومات حساسة. لكن التطورات الجديدة نقلت النقاش إلى مستوى مختلف: لم يعد السؤال فقط عما إذا كانت الاتهامات صحيحة أو كاذبة، وإنما أصبح يتعلق بكيفية تفسير سلسلة الاتصالات والتحركات والتسجيلات التي ظهرت تباعا.

من «إل بويو» إلى «بيغاسوس»، ومن النيابة العامة الإسبانية إلى الحديث عن الجزائر، وصولا إلى تسجيلات «أطلس هاكرز» وعلاقته بجيراندو، تبدو القضية اليوم أمام مرحلة لا يكفي فيها إصدار بيان مقتضب لنفي كل شيء دفعة واحدة.

فإذا كانت كل هذه المعطيات مجرد اختلاقات، فإن الرأي العام ينتظر رواية مقابلة تفككها نقطة نقطة. وإذا كانت التسجيلات مجتزأة أو غير صحيحة، فالمجال مفتوح للطعن فيها. أما إذا كانت الوقائع مختلفة عما نشرته الصحافة، فإن السؤال الأهم يبقى: أين الرواية الكاملة للمهدي حيجاوي، ولماذا لم تظهر حتى الآن؟

في القضايا التي تتقاطع فيها الاستخبارات والجريمة المنظمة والقضاء والهروب من العدالة، لا تكفي الصورة التي يصنعها أصحابها لأنفسهم؛ فالوثائق والاتصالات والتحقيقات هي التي تحدد في النهاية حقيقة ما جرى، لا البيانات ولا الشعارات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى