المغرب

عندما تتحول المراقبة المستمرة إلى حملة انتخابية مستمرة!

في الجامعات العادية، يُطلب من طلبة الماستر حضور ندوات علمية وأكاديمية لتوسيع معارفهم وتنمية قدراتهم البحثية. أما في النسخة المغربية المطورة، فيبدو أن بعض الطلبة أصبحوا مطالبين بحضور الندوات الحزبية أيضاً، ليس بدافع الاهتمام السياسي، بل بدافع الخوف على نقط المراقبة المستمرة.

فإذا صحّت المعطيات المتداولة حول إلزام طلبة ماستر بمدينة الرشيدية بحضور ندوة نظمها حزب رئيس الحكومة، وإعداد تقارير عنها تُحتسب ضمن التقييم الدراسي، فنحن أمام ابتكار بيداغوجي جديد يستحق التسجيل في سجلات التعليم العالي.

لقد أصبح الطالب المسكين أمام خيارين لا ثالث لهما: إما حضور الندوة والاستماع إلى الخطب السياسية ثم كتابة تقرير أكاديمي عنها، أو المخاطرة بنقطته الدراسية. وهكذا يتحول السؤال من: “ماذا أضافت الندوة إلى رصيدي المعرفي؟” إلى: “كم نقطة سأخسر إذا لم أحضر؟”

والأجمل في الحكاية أن الأمين العام للحزب كان من بين الحاضرين، بينما ينتمي الأستاذ المشرف – حسب ما يتم تداوله – إلى الحزب نفسه. إنها مصادفة سياسية نادرة تستحق الدراسة. فكل الطرق تؤدي إلى الحزب، وكل التقارير تنتهي عند الحزب، وكل النقط تمر بالقرب من الحزب.

قد يقول قائل إن الأمر عادي، وإن الندوات السياسية جزء من النقاش العمومي. وهذا صحيح. لكن الفرق كبير بين دعوة الطلبة لحضور نشاط سياسي اختيارياً، وبين ربط الحضور والتقارير بالتقييم الأكاديمي. فهنا يغادر النقاش السياسي فضاء الإقناع، ويدخل منطقة الضغط الناعم التي تجعل الحرية مجرد تفصيل صغير في أسفل الصفحة.

الجامعة يفترض أن تكون فضاءً للتعددية الفكرية، لا ملحقة تنظيمية لأي حزب مهما كان لونه أو حجمه. والطالب يفترض أن يناقش الأحزاب كلها أو ينتقدها كلها أو يرفضها كلها إن شاء، دون أن يشعر أن مستقبله الدراسي مرتبط بعدد التصفيقات التي قدمها في ندوة سياسية.

المفارقة الساخرة أن الأحزاب التي تتحدث كثيراً عن الديمقراطية والمشاركة السياسية، تجد نفسها أحياناً بحاجة إلى الاستعانة بنقط المراقبة المستمرة لجلب الجمهور. وكأن الإقناع السياسي لم يعد كافياً، فتم اللجوء إلى آخر سلاح استراتيجي: “احضر الندوة وإلا ناقشنا وضعيتك الدراسية!”

إذا كانت هذه هي الطريقة الجديدة لاستقطاب الشباب، فلا نستغرب غداً أن نجد ضمن وحدات الماستر مواد جديدة من قبيل: “مدخل إلى التصفيق السياسي”، و”منهجية كتابة التقارير الحزبية”، و”تقنيات استخراج النقاط من الندوات الانتخابية”.

أما الجامعة، تلك المؤسسة التي قيل لنا إنها فضاء للعلم والمعرفة والاستقلالية، فتبدو في هذه القصة وكأنها تحولت إلى قاعة انتظار كبيرة قبل انطلاق الحملة الانتخابية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى