المغرب

عندما يصبح ربع الطلبة الجامعيين في دائرة الخطر.. من ينصت إلى الأزمة الصامتة داخل الجامعات المغربية؟

مرة أخرى، لا تأتي الأرقام من منشور على مواقع التواصل الاجتماعي أو من تدوينة غاضبة لأحد الطلبة، بل من دراسة علمية أنجزها باحثون مغاربة ونشرتها مجلة علمية محكمة. والنتيجة صادمة: 27 في المائة من الطلبة الجامعيين المشاركين في الدراسة كانوا ضمن دائرة خطر الانتحار خلال الثلاثين يوماً السابقة للبحث.

قد يمر البعض على الرقم مرور الكرام، لكنه في الواقع مؤشر مقلق يكشف عن أزمة نفسية واجتماعية تتفاقم داخل الفضاء الجامعي المغربي، بعيداً عن الأضواء والخطابات الرسمية التي تتحدث باستمرار عن الإصلاح والتطوير.

فحين يكون أكثر من ربع الطلبة ضمن دائرة الخطر النفسي، فإن السؤال لم يعد مرتبطاً فقط بالصحة النفسية، بل بالنموذج الاجتماعي والتعليمي الذي يحيط بالشباب الجامعي. فهؤلاء الطلبة لا يعيشون داخل مختبرات معزولة عن المجتمع، بل يتأثرون بشكل يومي بواقع البطالة، وغلاء المعيشة، وصعوبة الاندماج المهني، وضعف الخدمات الاجتماعية، وغياب آفاق واضحة بعد التخرج.

وتشير الدراسة إلى وجود عوامل متعددة مرتبطة بارتفاع مستوى الخطر، من بينها تعاطي القنب الهندي، والتعرض للعنف خلال الطفولة، ووجود اضطرابات نفسية داخل الأسرة. وهي معطيات تؤكد أن المشكلة ليست فردية أو معزولة، بل هي نتاج تفاعل معقد بين الظروف الاجتماعية والنفسية والاقتصادية.

المفارقة أن النقاش العمومي غالباً ما ينشغل بأرقام النجاح ونسب التسجيل والبنيات الجامعية، بينما يظل الجانب النفسي للطلبة في الهامش. وكأن المطلوب من الطالب أن ينجح أكاديمياً مهما كانت الضغوط التي يعيشها، وأن يتحمل وحده أعباء القلق والعزلة والخوف من المستقبل.

لقد أصبح من الضروري التعامل مع الصحة النفسية باعتبارها جزءاً أساسياً من السياسات الجامعية، وليس مجرد ملف ثانوي. فالدعم النفسي داخل الجامعات لا ينبغي أن يكون امتيازاً، بل خدمة أساسية مثلها مثل المكتبات والمدرجات والإقامات الجامعية.

إن أخطر ما تكشفه هذه الدراسة ليس الرقم في حد ذاته، بل احتمال أن تكون الأرقام الحقيقية أكبر من ذلك، خاصة في مجتمع ما زال كثير من أفراده يترددون في طلب المساعدة النفسية بسبب الوصم الاجتماعي أو الخوف من الأحكام المسبقة.

لذلك فإن الرسالة التي تحملها هذه الدراسة واضحة: الأزمة النفسية وسط الطلبة ليست حالة فردية معزولة، بل قضية مجتمعية تستدعي تدخلاً عاجلاً من الجامعات والقطاعات الحكومية والمؤسسات الصحية. لأن الاستثمار في التعليم لا يقاس فقط بعدد المدرجات والشهادات، بل أيضاً بقدرتنا على حماية الإنسان الذي يجلس داخل تلك المدرجات ويحمل تلك الشهادات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى