المغرب

من البرنوصي إلى كل البيوت المثقلة بالهمّ: عمال بلا أجور على أبواب رمضان


على بعد يوم واحد فقط من حلول شهر رمضان، خرج عمال وعاملات إحدى الشركات بالحي الصناعي بمنطقة البرنوصي بمدينة الدار البيضاء في وقفة احتجاجية صامتة في شكلها، صاخبة في دلالاتها، احتجاجًا على عدم توصلهم بأجورهم، في لحظة زمنية لا تحتمل التأجيل ولا الوعود.
عبارة واحدة اختصر بها المحتجون حجم المأساة:
«هادي العواشر وعندنا الطريّطات والمدرسة والمصروف»
جملة بسيطة، لكنها كافية لكشف عمق الأزمة الاجتماعية التي يعيشها هؤلاء العمال، حيث يتحول الراتب من حق قانوني إلى أمل مؤجل، ومن مورد عيش إلى ورقة ضغط.
في زمن يفترض أن تستعد فيه الأسر لشهر الصيام بما يحمله من مصاريف إضافية، يجد عمال الحي الصناعي أنفسهم أمام فراغ مالي قاتل: كراء، فواتير، مستلزمات مدرسية، ومصاريف يومية لا تنتظر لا مساطر إدارية ولا أعذارًا محاسباتية. فالجوع لا يعترف بالتبرير، والكرامة لا تقبل التأجيل.
الوقفة الاحتجاجية ليست فقط تعبيرًا عن تأخر الأجور، بل هي صرخة ضد واقع يتكرر في عدد من الوحدات الصناعية، حيث يُطلب من العامل الصبر والانضباط، بينما يُترك وحيدًا في مواجهة الالتزامات اليومية. واقع يطرح أسئلة محرجة حول المراقبة، والمسؤولية الاجتماعية للمقاولة، ودور المؤسسات المعنية بحماية حقوق الشغيلة.
الأخطر في هذا الوضع، أن تأخير الأجور لم يعد يُنظر إليه كاستثناء، بل كأمر عادي، يُدبّر بالاحتجاج المؤقت أو الصمت القسري، في مدينة تُعد القلب الاقتصادي للمملكة، وفي أحياء صناعية يفترض أن تكون نموذجًا للاستقرار الاجتماعي.
ما يحدث اليوم في البرنوصي ليس حالة معزولة، بل عنوانًا لأزمة أعمق، عنوانها هشاشة العامل، وضعف آليات الزجر، وتحويل الأجير إلى الحلقة الأضعف في معادلة الإنتاج. ومع اقتراب رمضان، تتضاعف قسوة هذا الوضع، لأن الحرمان هنا لا يطال الجيب فقط، بل يمس الكرامة الإنسانية.
إن إنصاف هؤلاء العمال لا يحتاج إلى بيانات تضامن فقط، بل إلى تدخل عاجل يضمن صرف الأجور، ويعيد الاعتبار لحق بسيط اسمه العمل مقابل الأجر، قبل أن يتحول رمضان من شهر تضامن إلى موسم إضافي للمعاناة الصامتة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى