من جودة العلاج إلى إصلاح التقاعد.. ماذا تعد حكومة المنصوري المغاربة في الصحة والحماية الاجتماعية؟

تضع حكومة فاطمة الزهراء المنصوري خلال ولايتها الممتدة من 2026 إلى 2031 قطاعي الصحة والحماية الاجتماعية ضمن الأوراش التي يرتقب أن تحظى بمتابعة واسعة من طرف المواطنين، بالنظر إلى ارتباطهما المباشر بالأمن الصحي والاستقرار الاجتماعي وجودة الحياة. فبعد مرحلة اتسمت بتوسيع التغطية الصحية والحماية الاجتماعية، يتجه الاهتمام اليوم نحو سؤال أكثر ارتباطا بالحياة اليومية: كيف يمكن تحويل الاستفادة من التأمين والدعم إلى خدمات صحية ومعاشات ومساعدات تستجيب فعليا لحاجيات المواطنين؟
في القطاع الصحي، يبرز التوجه نحو الانتقال من تعميم التغطية الصحية إلى تحسين جودة العلاج باعتباره تحولا في طبيعة الأولويات. فالتغطية الصحية تظل مدخلا أساسيا لضمان الحق في العلاج، لكنها لا تحقق الغاية المرجوة منها ما لم تقترن بتوفر الأطباء والممرضين والتجهيزات والأدوية، وبإمكانية الحصول على المواعيد في آجال معقولة، وتقليص الفوارق بين المؤسسات الصحية والمناطق. ولذلك، فإن الرهان المطروح أمام الحكومة يتمثل في جعل جودة الخدمات جزءا أساسيا من الإصلاح، حتى يشعر المواطن بأن التغطية الصحية تترجم إلى رعاية فعلية، لا مجرد حق مسجل في الوثائق.
ويكتسي إصلاح مصالح المستعجلات وتعميم المساعدة الطبية المستعجلة أهمية خاصة في هذا السياق، لأن الحالات الطارئة لا تسمح بالانتظار أو بالتنقل بين المؤسسات بحثا عن خدمة متاحة. ويحتاج تحسين هذا الجانب إلى تطوير آليات استقبال الحالات الحرجة، وتعزيز التنسيق بين سيارات الإسعاف والمراكز الصحية والمستشفيات، وتوفير التجهيزات والموارد البشرية الضرورية، إلى جانب تنظيم مسارات المرضى بحسب درجة الاستعجال. كما أن توسيع خدمات المساعدة الطبية المستعجلة يستدعي مراعاة خصوصية المناطق القروية والجبلية، حيث يمكن أن تشكل المسافة والزمن الفاصل قبل الوصول إلى العلاج عاملين حاسمين.
ولا ينفصل هذا الورش عن الحاجة إلى تحسين تنظيم المستشفيات وتوزيع الضغط على أقسام المستعجلات، حتى تتمكن من التركيز على الحالات التي تستدعي تدخلا عاجلا. فنجاح الإصلاح لا يقاس فقط بعدد سيارات الإسعاف أو التجهيزات التي يتم توفيرها، بل كذلك بمدى سرعة التدخل، وجودة التكفل بالمرضى، وفعالية التنسيق بين مختلف مستويات المنظومة الصحية.
ومن الملفات التي تبرز ضمن التوجهات الحديثة لإصلاح القطاع، إرساء منظومة معلوماتية صحية وطنية موحدة. فالرقمنة يمكن أن تسهم في تحسين تدبير المواعيد والملفات الطبية، وتسهيل تبادل المعلومات بين المؤسسات الصحية، والحد من تكرار الفحوصات والإجراءات الإدارية، كما تتيح إمكانات أفضل لتتبع مسار المريض وضمان استمرارية العلاج. ويمكن كذلك للمعطيات الصحية المجمعة، متى جرى تدبيرها وفق قواعد دقيقة، أن تساعد المسؤولين على تحديد حاجيات كل منطقة وتوجيه الموارد نحو المجالات الأكثر خصاصا.
غير أن بناء منظومة رقمية فعالة يتطلب أكثر من اعتماد برامج معلوماتية جديدة، إذ يستدعي توحيد المعايير بين المؤسسات، وتكوين الأطر الصحية والإدارية، وتوفير التجهيزات اللازمة، وضمان حماية المعطيات الشخصية والطبية. كما ينبغي أن تكون الرقمنة وسيلة لتبسيط الخدمة على المواطن، لا سببا في إضافة إجراءات معقدة أمام المرضى الذين لا يتوفرون على المهارات الرقمية أو يواجهون صعوبات في الولوج إلى الخدمات الإلكترونية.
وتبرز مسألة التفاوت في العرض الصحي بين الجهات باعتبارها أحد التحديات الأساسية التي يتعين التعامل معها خلال الولاية الحكومية. فالحصول على العلاج لا ينبغي أن يرتبط بمكان الإقامة أو بالقدرة على تحمل تكاليف التنقل إلى المدن الكبرى. ومن ثم، فإن تعهد الحكومة بتغطية الخصاص في العرض الصحي يفتح المجال أمام تعزيز البنيات الصحية في المناطق الأقل استفادة، وتطوير المستشفيات الإقليمية والمراكز الصحية، وتحسين توزيع التخصصات الطبية، بما يجعل الخدمات أقرب إلى السكان.
ويتطلب تقليص هذه الفوارق تشخيصا دقيقا لحاجيات كل جهة، وتحديد الأولويات بناء على الكثافة السكانية والخصاص المسجل وطبيعة الأمراض والحالات الصحية الأكثر انتشارا. كما أن بناء المؤسسات الصحية وحده لا يكفي، إذا لم تتوفر الموارد البشرية والتجهيزات وشروط التشغيل المستمر. لذلك، فإن نجاح هذا الورش يرتبط بمدى التنسيق بين الاستثمار في البنية التحتية وتوفير الأطر وضمان استقرار الخدمات، خاصة في المناطق التي يصعب فيها استقطاب بعض التخصصات الطبية.
وتحتل الموارد البشرية مكانة محورية في مختلف هذه الأوراش، لأن الطبيب والممرض والتقني والإداري يشكلون الحلقة التي تتحول من خلالها السياسات الصحية إلى خدمات مباشرة. ويضع هذا الأمر الحكومة أمام مسؤولية مواصلة معالجة الخصاص، وتحسين ظروف العمل، وتعزيز التكوين، وتطوير آليات التحفيز والتوزيع المجالي للأطر. كما أن استقرار الموارد البشرية داخل المؤسسات الصحية يرتبط بوضوح المسارات المهنية، وتوفير ظروف عمل مناسبة، وتحقيق التوازن بين حاجيات المرفق العمومي وانتظارات العاملين فيه.
وإذا نجحت الحكومة في الجمع بين تطوير البنيات الصحية وتحسين تدبيرها وتوفير الأطر اللازمة، فإن أثر ذلك يمكن أن يظهر في تقليص آجال الانتظار، وتحسين استقبال المرضى، وتخفيف الضغط على المستشفيات الكبرى، وتعزيز ثقة المواطنين في المرفق الصحي العمومي. أما تقييم مدى التقدم، فسيحتاج إلى مؤشرات واضحة تتعلق بتوفر الأطباء والتخصصات، وجودة التكفل، وزمن الانتظار، وتوزيع الخدمات بين الجهات، ومدى رضا المستفيدين عنها.
وبموازاة إصلاح الصحة، يعود ملف التقاعد إلى واجهة النقاش الاجتماعي باعتباره ورشا يرتبط مباشرة بأمن فئات واسعة من المواطنين بعد انتهاء مسارهم المهني. ويجمع هذا الملف بين ضرورة ضمان استدامة الأنظمة على المدى الطويل، وحماية القدرة الشرائية للمتقاعدين، وتحقيق الإنصاف بين الفئات التي تختلف أوضاعها المهنية ومستويات معاشاتها. لذلك، فإن أي إصلاح في هذا المجال يحتاج إلى مقاربة متوازنة تراعي التوازنات المالية للصناديق، وفي الوقت نفسه تحافظ على الاستقرار الاجتماعي وحقوق المعنيين.
ومن بين الالتزامات التي تستقطب الاهتمام، التوجه نحو رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم. ويعكس هذا الهدف أهمية تحسين مستوى العيش لدى المتقاعدين الذين يعتمدون أساسا على معاشاتهم لتغطية نفقات الغذاء والسكن والعلاج وغيرها من الحاجيات الأساسية. فالمعاش بالنسبة إلى هذه الفئة ليس مجرد مبلغ مالي دوري، بل هو مورد يرتبط بالقدرة على العيش باستقلالية والحفاظ على الكرامة بعد سنوات من العمل والمساهمة في الاقتصاد والمجتمع.
غير أن تنزيل هذا الالتزام يقتضي توضيح الفئات المعنية به، وشروط الاستفادة، والجدول الزمني للتطبيق، والآليات المالية التي ستضمن استمراريته. كما ينبغي أن يراعي الإصلاح اختلاف الأنظمة والصناديق، وتفاوت مدد الاشتراك والمسارات المهنية. وسيكون من المهم التمييز بين الهدف المعلن وبين المقتضيات التي تم اعتمادها رسميا ودخلت حيز التنفيذ، حتى يتمكن المتقاعدون من معرفة حقوقهم الفعلية ومواعيد الاستفادة منها.
ومن القضايا الاجتماعية التي يثيرها إصلاح التقاعد كذلك وضعية الأرامل، في ظل التوجه نحو مراجعة نظام المعاشات المخصصة لهن، بما قد يتيح رفع الاستفادة من 50 في المائة إلى معاش كامل وفق الشروط التي سيحددها الإصلاح. ويكتسي هذا الموضوع أهمية بالنظر إلى أن معاش الأرملة قد يشكل المورد الرئيسي أو الوحيد للأسرة بعد وفاة المعيل، خصوصا عندما تكون هناك مسؤوليات مرتبطة بتربية الأطفال أو تحمل نفقات السكن والعلاج والتعليم.
ومن شأن توسيع الحماية الموجهة إلى الأرامل أن يعزز الاستقرار المالي والاجتماعي لهذه الفئة، شريطة تحديد نطاق الاستفادة بدقة، وتوضيح الأنظمة التي سيشملها التغيير، وكيفية احتساب المعاش، والموارد التي ستغطي كلفته. فوضوح الشروط عنصر أساسي لضمان الإنصاف وتفادي اختلاف التأويلات، كما أن انتظام صرف المستحقات يظل مهما بقدر أهمية قيمة المعاش نفسه.
وفي المقابل، يكتسي تعهد الحكومة بإصلاح التقاعد دون المساس بالحقوق المكتسبة أهمية خاصة في بناء الثقة حول هذا الورش. فالمتقاعدون والأجراء الذين راكموا سنوات من العمل والاشتراك يحتاجون إلى وضوح بشأن مستقبل حقوقهم، بينما تتطلب استدامة الأنظمة معالجة الاختلالات المالية والديمغرافية التي قد تواجهها. ويقتضي التوفيق بين الأمرين فتح حوار مع الشركاء الاجتماعيين، والاستناد إلى تشخيص مالي واكتواري دقيق، وشرح الخيارات المعتمدة وتداعياتها على الفئات المختلفة.
كما أن نجاح الإصلاح يرتبط بقدرته على تقديم رؤية طويلة الأمد، لا تقتصر على تدابير ظرفية، وإنما تحدد كيفية تمويل الأنظمة وضمان قدرتها على الوفاء بالتزاماتها للأجيال الحالية والمقبلة. ويظل الحوار الاجتماعي عنصرا مهما في هذا المسار، لأنه يسمح بمناقشة البدائل وتوضيح المخاوف وتوسيع قاعدة التوافق حول القرارات التي تمس مستقبل الأجراء والمتقاعدين.
أما في مجال الحماية الاجتماعية، فإن التحدي الأساسي يتمثل في الانتقال من توسيع التغطية القانونية إلى ضمان الاستفادة الفعلية من الخدمات والمساعدات. فوجود المواطن ضمن نظام للتغطية لا يعني بالضرورة أنه قادر على تحمل جميع نفقات العلاج أو الحصول على الخدمة في الوقت المناسب، كما أن تسجيل الأسر في برامج الدعم لا يكفي إذا لم تصل المساعدات إلى مستحقيها بانتظام وبالشروط المعلنة. ولهذا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تحسين التنسيق بين المؤسسات، وتبسيط المساطر، وتحيين المعطيات، وتطوير آليات التظلم والتصحيح.
وتبرز هنا أهمية ربط الحماية الاجتماعية بتقييم مستمر لأثرها على الفئات المستفيدة، من خلال معرفة مدى مساهمة الدعم في تقليص الهشاشة، وتحسين الولوج إلى العلاج، ومساعدة الأسر على تحمل النفقات الأساسية. كما أن حماية الفئات الأكثر هشاشة تقتضي الانتباه إلى الحالات التي قد لا تعكس فيها المعايير العامة حجم الحاجة الفعلية، والعمل على ضمان عدالة الاستفادة وتفادي الإقصاء الناتج عن أخطاء إدارية أو معطيات غير محينة.
وتجمع هذه الأوراش بين الصحة والتقاعد والحماية الاجتماعية، رغم اختلاف أدواتها، باعتبارها حلقات مترابطة في بناء الأمن الاجتماعي. فالمواطن يحتاج إلى خدمة صحية ذات جودة عندما يمرض، وإلى حماية مالية عندما يفقد القدرة على العمل أو يبلغ سن التقاعد، وإلى دعم اجتماعي عندما تكون موارده غير كافية لتلبية حاجياته الأساسية. ومن هنا، فإن فعالية السياسات الحكومية لا ترتبط فقط بحجم الاعتمادات المخصصة، بل كذلك بكفاءة التدبير، وعدالة التوزيع، وسهولة الوصول إلى الخدمات، ووضوح شروط الاستفادة.
ويبقى السؤال المتعلق بمدى وفاء حكومة المنصوري بهذه الالتزامات مرتبطا بمسار التنفيذ خلال السنوات المقبلة، ولا يمكن حسمه انطلاقا من الوعود وحدها. وستكون متابعة الآجال المحددة، والنصوص التنظيمية، والموارد المالية، ومؤشرات جودة الخدمات، ضرورية للوقوف على ما تحقق فعليا. كما أن نشر حصيلة دورية واضحة سيسمح للمواطنين والمهنيين والمتقاعدين بتقييم تقدم الإصلاحات، وتحديد الجوانب التي تحتاج إلى مزيد من العمل.
وفي المحصلة، يضع البرنامج الحكومي الصحة والحماية الاجتماعية أمام مرحلة تتطلب الانتقال من توسيع الحقوق المعلنة إلى تعزيز أثرها المباشر في حياة المواطنين. وستظل جودة العلاج، وسرعة التدخل في الحالات المستعجلة، وتقليص الفوارق بين الجهات، وتحسين معاشات المتقاعدين والأرامل، وضمان استدامة أنظمة التقاعد، مؤشرات أساسية لمتابعة هذا المسار. أما المعيار الحاسم، فسيكون قدرة هذه الالتزامات على التحول إلى خدمات أكثر إنصافا، وحماية اجتماعية أكثر فعالية، وشروط عيش تحفظ كرامة المواطن في مختلف مراحل حياته.




