تحلية المياه والطاقات المتجددة والسيادة الغذائية.. رهانات حكومة المنصوري لتأمين مستقبل المغرب

تضع حكومة فاطمة الزهراء المنصوري الأمن المائي والطاقي والغذائي ضمن الملفات الاستراتيجية التي يرتبط بها مستقبل التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمغرب خلال الفترة 2026-2031. وتأتي هذه الأولويات في سياق تتزايد فيه الحاجة إلى تأمين الموارد الطبيعية، وتنويع مصادر الطاقة، وتعزيز قدرة البلاد على توفير المواد الغذائية الأساسية، بما يحد من التأثر بالتقلبات المناخية والأسواق الدولية.
وفي المجال المائي، يبرز استهداف تعبئة 1.8 مليار متر مكعب من مياه البحر المحلاة بحلول سنة 2031 باعتباره أحد الأهداف الكبرى التي تعكس التوجه نحو تنويع مصادر التزود بالماء. فتحلية مياه البحر يمكن أن تساهم في تلبية جزء من حاجيات المدن والأنشطة الاقتصادية، وتخفيف الضغط على الموارد التقليدية، خاصة في المناطق التي تعرف تراجعا في التساقطات أو استنزافا للفرشات المائية. كما أن تطوير هذا القطاع يفتح المجال أمام الاستثمار في التكنولوجيا والبنيات التحتية المرتبطة بإنتاج المياه ونقلها وتوزيعها.
غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب توفير محطات التحلية وشبكات الربط اللازمة، وتأمين الطاقة التي تحتاج إليها هذه المنشآت، إلى جانب اعتماد حلول تقلص الكلفة البيئية والمالية للإنتاج. كما أن توزيع المياه المحلاة ينبغي أن يستند إلى حاجيات السكان والأنشطة الاقتصادية، مع مراعاة الفوارق بين المناطق، وضمان عدم تحول ارتفاع كلفة الإنتاج والنقل إلى عبء إضافي على الأسر أو القطاعات المنتجة.
ويتكامل هذا التوجه مع الرهان على مضاعفة إنجاز السدود، باعتبارها منشآت أساسية لتجميع المياه وتنظيم توزيعها، والاستفادة من الفترات التي تعرف تساقطات مهمة. فالسدود تتيح تخزين جزء من الموارد المائية وتوفيرها للاستعمالات المنزلية والفلاحية والصناعية، كما يمكن أن تساهم في الحد من آثار بعض الفترات الجافة، متى جرى تدبير المخزون وفق رؤية طويلة الأمد.
لكن تعزيز العرض المائي يحتاج كذلك إلى تدبير الطلب، والحد من ضياع المياه في شبكات التوزيع، وتحسين تقنيات الري، وتشجيع الاستعمال المسؤول للماء في القطاعات الأكثر استهلاكا. فتنويع مصادر التزود يظل ضروريا، لكنه لن يكون كافيا وحده إذا استمر الضغط على الموارد بوتيرة تفوق قدرة التجدد والتعبئة.
وفي السياق نفسه، يعود تحويل المياه بين الأحواض والجهات إلى واجهة السياسة المائية، من خلال توجه يرمي إلى نقل جزء من الموارد من المناطق التي تتوفر على فائض نسبي نحو المناطق التي تواجه خصاصا. ويمكن لهذا النوع من المشاريع أن يساعد على تحقيق قدر أكبر من التوازن في توزيع المياه، شريطة دراسة أثره البيئي والاقتصادي، وضمان عدم الإضرار بالتوازنات المائية في الأحواض المانحة، وتوفير بنية تحتية قادرة على نقل المياه بكفاءة.
ويبرز المخطط الوطني للماء باعتباره إطارا لتوحيد الرؤية وتنسيق البرامج المرتبطة بالتعبئة والتوزيع والحفاظ على الموارد. وتكمن أهميته في الجمع بين مختلف التدخلات، بدل التعامل مع السدود والتحلية والتحويلات وشبكات التوزيع باعتبارها مشاريع منفصلة. فالأمن المائي يحتاج إلى تخطيط يحدد حاجيات السكان والقطاعات الاقتصادية على المدى المتوسط والبعيد، ويضع أولويات الاستثمار بناء على المعطيات المناخية والديمغرافية والاقتصادية.
أما في المجال الطاقي، فيستهدف البرنامج رفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52 في المائة، في توجه ينسجم مع الحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة وتعزيز الاستفادة من المؤهلات الشمسية والريحية التي يتوفر عليها المغرب. ويمكن لهذا المسار أن يساهم في تقليص الاعتماد على مصادر الطاقة المستوردة، وتطوير صناعات مرتبطة بالتجهيزات والخدمات الطاقية، فضلا عن توفير فرص للاستثمار والتشغيل.
ويظل توسيع الطاقات المتجددة مرتبطا بتطوير شبكات نقل الكهرباء وتخزينها، وتحسين قدرة المنظومة على استيعاب الإنتاج المتغير، إلى جانب تشجيع النجاعة الطاقية في الصناعة والنقل والمباني. كما أن نجاح هذا التوجه يحتاج إلى استثمارات مستمرة وإطار تنظيمي واضح يتيح للمستثمرين تطوير المشاريع، مع ضمان استقرار التزويد وتنافسية كلفة الطاقة بالنسبة إلى الأسر والمقاولات.
وفي موازاة ذلك، يبرز الهيدروجين الأخضر والغاز ضمن الاستراتيجية الطاقية الجديدة. فالهيدروجين الأخضر يتيح إمكانات لتطوير صناعات منخفضة الكربون وتوفير منتجات يمكن توجيهها إلى الأسواق الدولية، بينما يمكن للغاز أن يؤدي دورا في تأمين جزء من الحاجيات الطاقية بحسب المشاريع والاختيارات المعتمدة. غير أن تطوير هذه المجالات يتطلب دراسة الكلفة، وتأمين البنية التحتية، وتحديد الأسواق المستهدفة، ومراعاة التحولات التي تعرفها أسواق الطاقة العالمية.
وفي ما يتعلق بالأمن الغذائي، يبرز التوجه نحو رفع حصة الإنتاج الوطني من البذور من 20 إلى 50 في المائة باعتباره خطوة نحو تعزيز السيادة في أحد المدخلات الأساسية للإنتاج الفلاحي. فتوفر البذور الملائمة يؤثر في مردودية المحاصيل وقدرة الفلاحين على التكيف مع الظروف المناخية، كما أن تقوية الإنتاج المحلي يمكن أن تخفف التعرض للاضطرابات التي قد تصيب سلاسل التوريد الخارجية.
ويحتاج هذا الورش إلى دعم البحث الزراعي، وتطوير الأصناف التي تتلاءم مع الظروف المناخية المحلية، وتحسين جودة البذور وتوزيعها، إلى جانب مواكبة الفلاحين في اختيار الأصناف والتقنيات المناسبة. كما أن تحقيق الهدف المعلن يتطلب توضيح المجالات التي سيشملها، وتحديد طبيعة الإنتاج الوطني المستهدف، وتتبع مدى استفادة صغار الفلاحين من التحسينات التي ستتحقق.
ويأتي إعادة تكوين القطيع ضمن التدابير المرتبطة بدعم الفلاحة وتعزيز توفر المنتجات الحيوانية. ويكتسي هذا الورش أهمية بالنظر إلى دور الثروة الحيوانية في دخل عدد من الأسر القروية، وفي تموين الأسواق باللحوم والحليب، فضلا عن ارتباطه بالأنشطة الفلاحية وسلاسل الإنتاج المحلية. ويتطلب نجاحه مواكبة المربين، وتحسين تدبير الأعلاف والمياه والصحة الحيوانية، وتطوير آليات التتبع التي تسمح بقياس تطور القطيع ومردوديته.
وتعكس هذه التوجهات انتقالا نحو معالجة الأمن الغذائي من خلال الاهتمام بعوامل الإنتاج، وليس فقط بالتدخل في الأسواق عند ارتفاع الأسعار. فتوفر البذور والأعلاف والمياه، واستقرار القطيع، وتحسين تقنيات الإنتاج والتخزين، كلها عناصر تؤثر في قدرة السوق الوطنية على تلبية الحاجيات. كما أن دعم الفلاحين وتطوير سلاسل التوزيع يمكن أن يساهم في تحسين دخل المنتجين وتقوية انتظام التموين.
وفي هذا الإطار، يبرز ملف مخزونات الحبوب والصادرات الحساسة باعتباره جزءا من إدارة التوازن بين متطلبات الاقتصاد الوطني والتجارة الخارجية. فالحفاظ على مخزون استراتيجي من الحبوب يساعد على مواجهة فترات نقص الإنتاج أو اضطراب الأسواق الدولية، بينما يحتاج تنظيم الصادرات إلى مراعاة حاجيات السوق الداخلية، دون إغفال مصالح المنتجين والمصدرين واستقرار العلاقات التجارية.
ويظل تدبير هذه الملفات مرتبطا بتوفر معطيات دقيقة حول الإنتاج والمخزون والاستهلاك، وبالقدرة على اتخاذ قرارات متناسبة مع الظروف المتغيرة. كما أن تطوير أنظمة الإنذار المبكر وتتبع الأسواق يمكن أن يساعد على الاستعداد للأزمات قبل تفاقمها، ويعزز قدرة القطاعات المعنية على التنسيق وتحديد الأولويات.
وتجمع هذه الأوراش بين الماء والطاقة والغذاء باعتبارها عناصر مترابطة في السيادة الاستراتيجية للمغرب. فإنتاج الغذاء يحتاج إلى الماء والطاقة، وتحلية المياه تحتاج إلى مصادر طاقة مستقرة، والصناعة تحتاج إلى موارد مائية وطاقية مضمونة. وسيكون التحدي خلال الفترة 2026-2031 هو تنفيذ المشاريع وفق رؤية متكاملة، مع ضمان استدامة الموارد وتنافسية الكلفة وعدالة توزيع المنافع. أما النتائج، فستظهر في قدرة البلاد على تأمين حاجياتها الأساسية وتعزيز صمود اقتصادها أمام التقلبات المناخية والدولية.




