المغرب

الذكاء الاصطناعي يطرق أبواب القضاء المغربي.. كيف نوازن بين سرعة الأحكام وضمانات العدالة؟

لم يعد التحول الرقمي مجرد خيار لتحديث الإدارة، بل أصبح تحديا يفرض نفسه على المؤسسات القضائية، التي تجد اليوم أمامها فرصا جديدة لتطوير أساليب العمل، مقابل مسؤولية الحفاظ على استقلال القرار القضائي وضمان حقوق المتقاضين. وفي هذا السياق، أكد محمد عبد النباوي، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، أن الذكاء الاصطناعي قادر على المساهمة في بناء عدالة أكثر سرعة ويسرا، شريطة أن يظل استخدامه محكوما بضوابط قانونية وأخلاقية واضحة.

وخلال افتتاح مؤتمر دولي احتضنته الرباط حول العلاقة بين العدالة والذكاء الاصطناعي، أبرز عبد النباوي الإمكانات التي تتيحها هذه التكنولوجيا لتخفيف أعباء العمل القضائي، من خلال تسريع معالجة الملفات، وتسهيل البحث في النصوص القانونية والاجتهادات القضائية، ومساعدة المهنيين على الوصول إلى المعلومات ذات الصلة بالقضايا المعروضة عليهم. وهي إمكانات قد تسهم في تحسين النجاعة القضائية، خصوصا في ظل الحاجة إلى تقليص آجال البت في الملفات وتيسير استفادة المواطنين من خدمات العدالة.

غير أن إدماج هذه الأدوات يطرح سؤالا يتجاوز الجانب التقني: إلى أي حد يمكن الاستفادة من قدرة الآلات على تحليل المعطيات دون المساس بالطبيعة الإنسانية للقضاء؟ فالحكم القضائي ليس عملية حسابية تستخرج نتيجتها من البيانات وحدها، وإنما قرار يرتبط بفهم الوقائع، وتقدير الأدلة، واستحضار الظروف الخاصة بكل قضية، مع تحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن نتائجه. ولهذا شدد عبد النباوي على ضرورة إعداد قواعد تنظم استعمال الذكاء الاصطناعي، بما يشمل مواثيق أخلاقية ومدونات للسلوك المهني، إلى جانب تدخل تشريعي يحدد الضمانات اللازمة.

وتبرز أهمية هذا النقاش في أن الاعتماد غير المنضبط على الأنظمة الذكية قد يفتح المجال أمام أخطاء تقنية أو استنتاجات متحيزة، خصوصا عندما تعتمد هذه الأنظمة على معطيات غير مكتملة أو لا تراعي خصوصية السياق القانوني. لذلك، فإن تحديث القضاء لا ينبغي أن يقاس فقط بسرعة معالجة الملفات، بل أيضا بمدى حماية سرية المعطيات، وضمان إمكانية مراجعة النتائج التي تنتجها الأدوات الرقمية، والإبقاء على القرار النهائي بيد القاضي المسؤول عن تقدير القضية.

وأكد المسؤول القضائي أن المغرب لا يمكنه البقاء خارج التحولات التي يشهدها العالم الرقمي، مستحضرا التوجهات الملكية الداعية إلى مواكبة الثورة الرقمية وتطوير استراتيجيات جديدة في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. ويأتي المؤتمر المنظم بمحكمة النقض، بشراكة مع جمعية المحاكم العليا للنقض بالدول الناطقة بالفرنسية، بمشاركة ممثلين عن نحو عشرين بلدا، ليتيح تبادل التجارب ومناقشة التحديات القانونية والمؤسساتية المرتبطة بهذا التحول.

إن الرهان الحقيقي لا يكمن في استبدال القاضي بالخوارزميات، بل في تمكينه من أدوات أكثر فعالية تساعده على أداء مهمته دون أن تنتزع منه سلطة التقدير والمسؤولية. فالتكنولوجيا يمكنها أن تختصر الوقت وتوسع إمكانات البحث، لكنها لا تعفي المؤسسات من واجب حماية الحقوق والحريات. وبين إغراء السرعة وضرورة الإنصاف، ستتحدد قدرة القضاء المغربي على توظيف الذكاء الاصطناعي باعتباره وسيلة لتطوير العدالة، لا بديلا عن ضميرها الإنساني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى