المصحات الخاصة بالمغرب.. حين يتحول العلاج من حق إنساني إلى عبء يثقل كاهل المرضى
لم تعد الشكاوى المرتبطة بتكاليف العلاج داخل بعض المصحات الخاصة بالمغرب مجرد وقائع معزولة تثير الغضب لبضع ساعات على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبحت تفتح نقاشا متجددا حول طبيعة العلاقة بين المريض والمؤسسات الصحية الخاصة، وحدود التوازن بين الاستثمار في القطاع الطبي واحترام الحق في العلاج وصون كرامة الإنسان في لحظات ضعفه.
فالمواطن الذي يلجأ إلى مصحة خاصة لا يفعل ذلك دائما بحثا عن الرفاهية أو الخدمات الاستثنائية، بل قد يكون مدفوعا بظرف صحي طارئ، أو بحاجته إلى تدخل سريع، أو باعتقاده أن أداء مقابل مالي إضافي سيضمن له ولأفراد أسرته رعاية أفضل. غير أن الصدمة تبدأ حين يجد نفسه أمام تكاليف لم يكن يتوقعها، أو شروط مالية يصعب عليه استيعابها في لحظة يسابق فيها الزمن لإنقاذ مريض أو تخفيف آلامه.
وتعيد الوقائع المتداولة بشأن بعض المصحات الخاصة إلى الواجهة سؤالا جوهريا: هل أصبح المواطن مطالبا بتأمين قدرته المالية قبل أن يتمكن من الاطمئنان إلى سلامة أفراد أسرته؟ وكيف يمكن التوفيق بين الطابع الاستثماري للمؤسسات الصحية الخاصة وبين خصوصية المجال الذي تشتغل فيه، باعتباره قطاعا يرتبط مباشرة بحياة الإنسان وسلامته الجسدية والنفسية؟
لا يتعلق الأمر هنا بالتعميم على جميع المصحات أو التشكيك في الجهود التي يبذلها مهنيون وأطر طبية وتمريضية في ظروف صعبة، وإنما بالتنبيه إلى ممارسات وشكاوى تستحق التحقق والبحث الجدي، خاصة عندما تتعلق بمرضى في وضعيات استعجالية أو بأسر تجد نفسها مضطرة إلى اتخاذ قرارات مالية تحت ضغط الخوف والقلق.
إن من حق المؤسسات الصحية الخاصة أن تتقاضى مقابلا عن الخدمات التي تقدمها، كما أن من حقها ضمان حقوقها المالية وفق القوانين الجاري بها العمل، لكن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لأي غموض في الفواتير، أو غياب للشفافية في تحديد الأسعار، أو ممارسات تجعل المريض يشعر وكأنه أمام صفقة تجارية لا أمام مؤسسة يفترض أن تضع الاعتبارات الصحية والأخلاقية في صلب عملها.
وتزداد أهمية هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بالأطفال أو بالحالات التي تستدعي تدخلا طبيا عاجلا، إذ تصبح الحاجة ملحة إلى توضيح المساطر المعتمدة في استقبال المرضى وتقييم الحالات المستعجلة، والفصل بين ما تفرضه الضرورة الطبية وما يرتبط بالإجراءات الإدارية والمالية، مع ضمان احترام القوانين المنظمة للمهنة والقطاع الصحي.
وفي ظل توالي الشكاوى التي يثيرها مواطنون بشأن تكاليف العلاج وظروف الاستقبال داخل بعض المؤسسات الصحية، تبرز الحاجة إلى تعزيز المراقبة، وتفعيل آليات تلقي الشكايات ومعالجتها، وضمان اطلاع المرضى على الأسعار والتكاليف المحتملة بصورة واضحة، مع فتح تحقيقات جدية كلما ظهرت مؤشرات على وجود اختلالات أو تجاوزات.
كما أن المسؤولية لا تقع على المؤسسات وحدها، بل تشمل الجهات الوصية والهيئات المختصة التي يفترض أن تضمن احترام الضوابط القانونية والمهنية، وأن تتعامل مع شكاوى المواطنين بالجدية اللازمة، بعيدا عن منطق الانتظار إلى حين تحول كل واقعة إلى قضية رأي عام.
فالصحة ليست امتيازا لمن يستطيع الدفع دون تردد، وكرامة المريض لا ينبغي أن تكون رهينة بقدرته على توفير مبالغ مالية تحت الضغط. وإذا كان الاستثمار في القطاع الصحي الخاص مشروعا، فإن مشروعيته الأخلاقية تظل مرتبطة باحترام حقوق المرضى، والشفافية في المعاملات، والالتزام بالمسؤولية المهنية.
إن تكرار هذه النقاشات يفرض الانتقال من موجات الغضب العابرة إلى مساءلة مؤسساتية حقيقية، قوامها التحقق من الوقائع، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن أي مخالفة، وإرساء قواعد واضحة تحمي المرضى من الاستغلال وتعيد الثقة إلى المنظومة الصحية.
فحين يدخل المواطن إلى المصحة وهو يحمل هم المرض، لا ينبغي أن يخرج منها مثقلا بالخوف من الفاتورة بقدر خوفه على صحة من يحب. تلك هي المسألة التي تستحق أن تكون في صلب النقاش العمومي حول واقع الصحة بالمغرب.




