لا يا فيليبي.. مغرب 2007 ليس مغرب اليوم، والتاريخ لا يمنح الاحتلال صك الملكية الأبدي

يبدو أن الملك الإسباني فيليبي السادس اختار أن يجعل من زيارته إلى سبتة ومليلية مناسبة لتجديد خطاب السيادة الإسبانية على المدينتين، معلنا أنهما جزء لا يتجزأ من إسبانيا، قبل أن يستدرك بضرورة الحفاظ على علاقات حسن الجوار مع المغرب. غير أن هذا الجمع بين التشبث بالسيادة والدعوة إلى حسن الجوار يطرح سؤالا جوهريا: هل يمكن بناء علاقات متكافئة بين دولتين إذا ظل أحد الملفات التاريخية الكبرى محكوما بمنطق الأمر الواقع، وكأن مرور الزمن قادر وحده على تحويل السيطرة إلى حق أبدي؟
لا يا سيد فيليبي، مغرب 2007 ليس مغرب اليوم، والرباط التي استقبلت زيارة خوان كارلوس آنذاك ليست بالضرورة الرباط التي تواجه تحديات الحاضر بأدواته السياسية والدبلوماسية والاقتصادية الجديدة. لقد تغيرت موازين كثيرة، وتغير معها موقع المغرب في محيطه الإقليمي والدولي، وأصبحت العلاقات بين الدول أكثر ارتباطا بالمصالح المتبادلة وبالقدرة على التفاوض، لا بمجرد استدعاء وقائع تاريخية من طرف واحد وتقديمها باعتبارها نهاية النقاش.
و لا يمكن فهم النزاع حول سبتة ومليلية باعتباره مجرد خلاف عاطفي حول رموز وطنية أو حدود جغرافية؛ إنه أيضا تعبير عن إرث تاريخي للاستعمار والتوسع الإمبراطوري، وعن علاقات قوة تشكلت في سياق كانت فيه السيطرة العسكرية وسيلة أساسية لفرض الوقائع على الأرض. فالقوى الاستعمارية لم تكن تكتفي بالسيطرة على المجال، بل كانت تسعى إلى تحويل السيطرة المادية إلى شرعية سياسية وقانونية، ثم إلى واقع يومي تتعامل معه الأجيال اللاحقة وكأنه أمر طبيعي لا يقبل المراجعة.
وهنا تكمن المفارقة: كيف يمكن مطالبة الشعوب بتجاوز الماضي حين يتعلق الأمر بمطالبها التاريخية، بينما يستمر التمسك بمكاسب ذلك الماضي عندما تكون في مصلحة القوى التي صنعت وقائعه؟ إن مرور القرون قد يغير أنظمة الحكم والحدود والنظم الاقتصادية، لكنه لا يحسم وحده مشروعية المطالب التاريخية، كما أن تكرار عبارة «جزء لا يتجزأ» لا يحولها، بمجرد إعلانها، إلى حقيقة متفق عليها من الطرفين.
إن سبتة ومليلية ليستا مجرد نقطتين على الخريطة، بل تحملان دلالات مرتبطة بتاريخ المغرب وسيادته وذاكرته الوطنية. ومن هذا المنطلق، يظل التمسك بالمطالبة المغربية بهما موقفا سياسيا وتاريخيا قائما، مع ضرورة التمييز بين الموقف الوطني وبين ما يمكن إثباته قانونيا ودبلوماسيا في مسار تفاوضي طويل. فالحقوق المتنازع عليها لا تحسم بالشعارات وحدها، وإنما تحتاج إلى نفس استراتيجي، وتراكم في أدوات التفاوض، وتوظيف للتحولات الدولية بما يخدم المصالح الوطنية.
أما الحديث عن حسن الجوار، فهو مبدأ لا يعترض عليه أحد في حد ذاته؛ فالمغرب وإسبانيا تجمعهما مصالح اقتصادية وأمنية وإنسانية كبيرة، ولا مصلحة للشعبين في تحويل الخلافات التاريخية إلى خصومة دائمة. لكن حسن الجوار لا ينبغي أن يتحول إلى مطالبة ضمنية للطرف المغربي بطي ملفه التاريخي مقابل استمرار الوضع القائم. فالجوار الحقيقي يقوم على الاحترام المتبادل، وعلى القدرة على مناقشة الملفات الخلافية دون أن يحتكر طرف واحد تعريف الحقيقة أو يطالب الطرف الآخر بالتسليم بها.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المرتبطة بالمدينتين، ولا الظروف الاجتماعية لسكانهما، ولا تشابك الحدود والتجارة والتنقل والأمن. فهذه المصالح تجعل أي نقاش جاد بشأن المستقبل مطالبا بتجاوز الخطاب الرمزي نحو مقاربة تستحضر مصالح السكان، والتوازنات الإقليمية، والقانون الدولي، وإمكانات الحلول السلمية. كما أن أي تصور للتحول لا ينبغي أن يجعل المواطنين العاديين على جانبي الحدود رهائن لصراع سياسي مفتوح.
لا يا سيد فيليبي، ليس المطلوب أن تتخلى إسبانيا عن الحوار، بل أن تدرك أن الحوار لا يعني مطالبة المغرب بالتنازل مسبقا عن روايته التاريخية ومطالبه السيادية. فالدول لا تبني مستقبلها بمجرد تكرار مواقفها القديمة، والشعوب لا تفقد ذاكرتها لأن ملكا زار مدينة وأعلن أمام كاميرات العالم أنها ملك لدولته.
إن المغرب لا يحتاج إلى الانفعال بقدر ما يحتاج إلى النفس الطويل، وإلى بناء ملف تاريخي وقانوني ودبلوماسي متماسك، وإلى تعزيز قوته الاقتصادية ومكانته الدولية، لأن ميزان المصالح عنصر أساسي في أي مسار تفاوضي. أما تحويل الزيارة إلى استعراض للسيادة، فلن ينهي الخلاف، مثلما أن التشبث المغربي بمطالبه لا يعني الدعوة إلى التصعيد أو القطيعة.
سبتة ومليلية تظلان في الوجدان الوطني المغربي جزءا من ملف تاريخي لم يطو، وحق المغرب في المطالبة بهما لا يسقط بالتقادم من حيث المبدأ السياسي الذي يتبناه المغرب. ومغرب اليوم مطالب بأن يحول هذا الموقف إلى استراتيجية طويلة الأمد، لا إلى مجرد رد فعل على تصريح أو زيارة.
فالتاريخ لا يمحى بالمراسم الملكية، والسيادة لا تصبح حقيقة متفقا عليها لمجرد إعلانها، وحسن الجوار لا يكتمل ما دام الخلاف التاريخي يعامل باعتباره موضوعا ممنوعا على النقاش. مغرب 2007 ليس مغرب اليوم، لكن ما سيصنع الفارق ليس ارتفاع نبرة الخطاب، بل قدرة الدولة على تحويل إمكاناتها إلى أوراق قوة، والدفاع عن مطالبها عبر الوسائل السلمية والقانونية والدبلوماسية.
والرسالة إلى مدريد واضحة: إن احترام المغرب لا يقتضي الاتفاق الفوري على كل مطالبه، لكنه يقتضي الاعتراف بأن ملف سبتة ومليلية ليس منتهيا لمجرد أن إسبانيا تعلن موقفها منه. فالتاريخ لا يدار بمنطق المنتصر الأبدي، والمستقبل لا يبنى بفرض الصمت على أسئلة الماضي.




