
تعيش فرنسا خلال الفترة الأخيرة على وقع احتجاجات يقودها طلاب الثانويات، على خلفية نقص المدرسين وتدهور ظروف الدراسة والاكتظاظ وضعف الإمكانيات التعليمية، قبل أن تتسع رقعتها في عدد من المدن وتتحول في بعض الحالات إلى مواجهات مع قوات الأمن وأعمال تخريب واعتقالات.
وأعادت هذه التطورات إلى الواجهة نقاشاً يتجاوز الوضع الداخلي الفرنسي، ليمتد إلى طريقة تعاطي بعض الأصوات المغربية مع كل ما يصدر عن فرنسا، خصوصاً تلك التي دأبت على تقديم النموذج الفرنسي باعتباره مرجعاً شبه مثالي في الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان.
ومن بين الأسماء التي سبق أن برزت في سجالات مرتبطة بالعلاقة مع فرنسا، فؤاد عبد المومني، الذي أثار في سنة 2018 نقاشاً عقب موقفه من حملة مقاطعة عدد من العلامات التجارية بالمغرب، ومن بينها شركة “سنطرال”، حيث اعتبر منتقدوه حينها أن موقفه لم يكن بالحدة نفسها تجاه باقي الشركات التي شملتها المقاطعة، ما فتح الباب أمام اتهامات بازدواجية المعايير في التعامل مع المصالح المرتبطة بفرنسا.
كما عاد الجدل نفسه خلال زلزال الحوز سنة 2023، عندما أثار عدم إدراج فرنسا ضمن أولى الدول التي قبل المغرب مساعداتها نقاشاً واسعاً، وخرجت أصوات تنتقد بشدة موقف السلطات المغربية، معتبرة أن الرباط كان ينبغي أن تتعامل بشكل مختلف مع العرض الفرنسي، في وقت رأى آخرون أن القرار يدخل في إطار السيادة الوطنية وتقدير الاحتياجات الميدانية.
وفي المقابل، فإن الاحتجاجات الحالية داخل فرنسا، وما رافقها من تدخلات أمنية واعتقالات وإغلاق عدد من المؤسسات التعليمية، لم تحظ، بحسب متابعين، بنفس مستوى التفاعل من جانب بعض الأصوات التي اعتادت توجيه انتقادات قوية إلى المغرب كلما شهد احتجاجات شبابية أو توترات اجتماعية.
هذا الصمت يعيد طرح سؤال ازدواجية المعايير، خصوصاً لدى من يستحضرون فرنسا باستمرار باعتبارها نموذجاً مكتمل الأركان في مجال الحريات، ثم يتعاملون بقدر كبير من التحفظ عندما يتعلق الأمر باحتجاجات تهز مدارسها وشوارعها.
ويزداد هذا التناقض وضوحاً عند مقارنة المواقف من الاحتجاجات الفرنسية بمواقف سابقة من احتجاجات شبابية شهدها المغرب، حيث سارعت بعض الأصوات إلى الحديث عن القمع والتضييق وغياب ضمانات المحاكمة العادلة، مع الاستناد إلى مواقف منظمات حقوقية محلية ودولية، من بينها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان “AMDH” ومنظمة “هيومن رايتس ووتش” “HRW”.
ولا يتعلق الأمر هنا بنفي حق هذه الهيئات أو الشخصيات في انتقاد الدولة المغربية، بل بالسؤال عن مدى ثبات المعايير عندما تتكرر الوقائع نفسها في فرنسا، سواء في ما يتعلق بتدخل الشرطة أو الاعتقالات أو التعامل مع أعمال الشغب والتخريب.
كما أن مشاهد الاحتجاج القادمة من فرنسا تضع الخطاب الذي يربط أوروبا دائماً بصورة “الفردوس الديمقراطي” أمام اختبار حقيقي. فالشباب الفرنسي نفسه خرج إلى الشارع للاحتجاج على تدهور الخدمات التعليمية ونقص الموارد وصعوبة ظروف الدراسة، وهي مطالب شبيهة بتلك التي يرفعها الشباب في دول عديدة، من بينها المغرب.
وفي الوقت نفسه، فإن تعامل السلطات الفرنسية بقيادة الرئيس إيمانويل ماكرون مع هذه الاحتجاجات يعكس أن الحفاظ على النظام العام يظل أولوية لدى الدولة الفرنسية أيضاً عندما تتحول الاحتجاجات إلى أعمال عنف أو تخريب، وهو ما يفرض على المراقبين اعتماد المعيار نفسه عند تقييم التدخلات الأمنية في فرنسا أو المغرب.
ومن هنا، فإن المشكلة لا تكمن في الدفاع عن حقوق الإنسان ولا في انتقاد السياسات العمومية، وإنما في الانتقائية. فمن ينتقد الإجراءات الأمنية في المغرب عليه أن يطرح الأسئلة نفسها عندما تقع إجراءات مماثلة في فرنسا، ومن يبرر تدخل الشرطة الفرنسية بحماية النظام العام عليه أن يقبل مناقشة المبدأ نفسه عندما يتعلق الأمر بالمغرب.
الاحتجاجات الفرنسية الحالية تذكر أيضاً بأن الأزمات الاجتماعية لا تعترف بالحدود، وأن نقص المدرسين وتردي الخدمات والاكتظاظ والاحتقان الشبابي يمكن أن يظهر في باريس كما يظهر في الرباط، وأن الدولة الديمقراطية لا تقاس بغياب الأزمات، بل بكيفية إدارتها واحترام الحقوق أثناء مواجهتها.
في النهاية، لا يتعلق النقاش بمحاولة التقليل من فرنسا أو تمجيد المغرب، بل برفض النظرة التي ترى في كل ما يأتي من باريس نموذجاً منزهاً عن النقد، وفي كل ما يقع بالمغرب دليلاً مسبقاً على الفشل. فالمصداقية تبدأ من معيار واحد يُطبَّق على الجميع، سواء كان المعني إيمانويل ماكرون في فرنسا أو السلطات العمومية في المغرب.




