المغرب

الهجرة “الآمنة والمنظمة” بين الخطاب الأنيق وواقع الهشاشة الصامتة


في كل مرة يُطلّ فيها علينا خطاب “الهجرة الآمنة والمنظمة والمنتظمة”، نشعر وكأننا أمام عبارة سحرية تُفتح بها أبواب الجنة الاقتصادية، بينما الواقع على الأرض يكتب فصلاً آخر لا علاقة له لا بالأمان ولا بالانتظام ولا حتى بالمنطق.
وزير التشغيل يونس السكوري، على هامش مؤتمر العمل الدولي بجنيف، التقى السيدة Amy Pope، المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، وخرج بتصريح “مطمئن” حول تعزيز التعاون من أجل الهجرة الآمنة وتطوير مسارات التنقل وتنمية الكفاءات. كلام جميل، أنيق، يصلح لبيانات الصحافة أكثر مما يصلح لقياس حرارة الواقع.
لكن السؤال الذي لا يريد أن يغادر رأس المواطن البسيط هو: عن أي هجرة آمنة ومنظمة نتحدث؟
هل نتحدث عن الهجرة التي تبدأ من حقول الفراولة، حيث العاملات المغربيات يُحملن على ظهورهن همّ الإنتاج الأوروبي بشروط قاسية، وأجور لا تكاد تكفي للعيش الكريم، بينما تُترك ملفاتهن الصحية والاجتماعية كأنها “تفاصيل جانبية” في نظام عالمي منظم جداً… لكن ليس لصالحهن؟
أم نتحدث عن تلك “المسارات المنظمة” التي تعني في الواقع تصدير اليد العاملة المغربية نحو الخارج، لتغطية العجز في أسواق عمل أجنبية، بينما الداخل يعيش مفارقة مؤلمة: شباب حاصلون على شهادات عليا يطوفون على أبواب الإدارات، وحراس أمن خاص يشتغلون 12 ساعة يومياً مقابل أجور لا تكفي حتى لكراء غرفة محترمة؟
أي تنظيم هذا الذي يُبشّر به الوزير، بينما “الفراشة” في الاقتصاد غير المهيكل يعرفون جيداً أن التنظيم الوحيد الذي وصلهم هو تنظيم ساعات التعب، لا حقوق العمل؟
ثم يأتي الحديث عن “تنمية الكفاءات” وكأننا أمام اقتصاد فاخر ينتظر نخبه، بينما آلاف الدكاترة والمهندسين يعيشون في طابور الانتظار الطويل، يراقبون من بعيد وظائف تُعلن ثم تُنسى، أو تُعلن ثم تُحجز قبل أن تُعلن أصلاً.
الجميل في الخطاب الرسمي أنه قادر دائماً على تحويل الأزمة إلى فرصة، والهشاشة إلى “دينامية”، والاستغلال إلى “شراكة دولية”. حتى حين يُقال إن هناك فرص عمل “لم تجد من يشغلها”، لا نعرف هل نضحك أم نبحث عن تلك الوظائف في عالم موازٍ، لأن الواقع يقول شيئاً مختلفاً تماماً: الناس لا ترفض العمل، بل ترفض شروطاً تجعل العمل أقرب إلى البقاء على قيد الإرهاق.
الأكثر مفارقة هو هذا التناقض الصارخ: كيف يمكن الحديث عن “هجرة منظمة وآمنة” بينما جزء من هذه الهجرة نفسها هو نتيجة غياب شروط العمل اللائق داخل البلد؟ كيف يمكن تسويق “التنقل المنتظم للكفاءات” في وقت يُترك فيه جزء كبير من تلك الكفاءات يواجه هشاشة سوق شغل لا يرحم؟
ثم أي كفاءات هذه التي نتحدث عنها؟ كفاءات تُقاس بالشهادات فقط، أم بقدرة الإنسان على الصمود أمام واقع اقتصادي يضغط من كل الجهات؟ أم أننا بصدد تعريف جديد للكفاءة: أن تكون مؤهلاً بما يكفي لتغادر، وغير مرغوب فيه بما يكفي لتبقى؟
في النهاية، المشكلة ليست في اللقاءات الدولية ولا في الاتفاقيات، بل في اللغة التي أصبحت تفصل بين الخطاب والواقع كما تفصل بين عالمين لا يلتقيان. عالم يتحدث عن “التنمية والتعاون والمسارات المنظمة”، وعالم آخر يعيش “التشغيل غير المنظم، والأجور غير الكافية، والكرامة المؤجلة”.
قد يبدو الخطاب منسجماً مع نفسه، أنيقاً في مفرداته، واثقاً في تقديمه. لكنه خارج القاعة، في الحقول، في المصانع، وفي طوابير العاطلين، يبدو مجرد ديكور لغوي جميل… لا أكثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى