قرار منع تصدير السردين بين منطق السوق وضغط المعامل: من يحمي من؟

أعاد قرار كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري القاضي بتوقيف تصدير سمك السردين لمدة سنة، ابتداءً من فبراير الجاري، فتح نقاش حاد حول حدود تدخل الدولة في تدبير الثروات البحرية، وحول الكلفة الاجتماعية والاقتصادية لمثل هذه القرارات، خاصة في مناطق تعتمد بشكل شبه كلي على الصناعة البحرية، مثل العيون.
القرار، الذي بررته كتابة الدولة بضرورة إعطاء الأولوية للسوق الوطنية والحفاظ على المخزون السمكي في ظل التغيرات المناخية وتراجع المصايد، قوبل برفض شديد من طرف أرباب ومسيري وحدات التجميد والتصدير وإنتاج دقيق وزيت السمك، خصوصًا المتواجدة بميناء ميناء العيون. هؤلاء اعتبروا الإجراء «جائرًا وغير مدروس»، ويحمل في طياته مخاطر إفلاس عدد من الشركات وتسريح آلاف العمال.
في المقابل، ترى فئات واسعة من مهنيي الصيد التقليدي وبعض الفاعلين في السوق الداخلية أن القرار جاء متأخرًا أصلًا، بعد سنوات من الاستنزاف المفرط للسردين، وتحويله من مادة غذائية شعبية إلى منتوج موجه أساسًا للتصدير أو للتصنيع، ما أثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطن.
المفارقة أن المعطيات الرسمية نفسها تكشف تحوّلًا هيكليًا داخل قطاع التجميد؛ إذ لم يعد السردين يشكل سوى أقل من ربع صادرات الأسماك السطحية الصغيرة، بعدما كان يمثل أكثر من ثلثيها قبل خمس سنوات. وهو ما تراه كتابة الدولة دليلًا على محدودية تأثير القرار، وإمكانية استمرار الوحدات الصناعية عبر أصناف أخرى كالإسقمري والشنشار.
لكن أرباب المعامل يطرحون سؤالًا مختلفًا: هل يمكن الحديث عن «بدائل» حقيقية في ظل ديون متراكمة، والتزامات بنكية، وسلاسل إنتاج بنيت تاريخيًا على السردين؟ وهل تراعي القرارات القطاعية هشاشة النسيج الصناعي المحلي، أم تكتفي بالمقاربة التقنية البحتة؟
الاحتقان بلغ ذروته بإعلان عدد من الوحدات الصناعية الإغلاق غير المحدود، والدعوة إلى وقفة احتجاجية بميناء المرسى، مع تعبئة العمال والعاملات، في خطوة تنذر بتصعيد اجتماعي قد تتجاوز انعكاساته القطاع ليصل إلى الاستقرار الاجتماعي بالمنطقة.
بين حماية الثروة السمكية وضمان الأمن الغذائي من جهة، والحفاظ على مناصب الشغل واستمرارية الاستثمار من جهة ثانية، يبدو أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في قرار المنع ذاته، بل في غياب تصور تشاركي واضح، يربط بين الاستدامة البيئية والعدالة الاقتصادية، ويحول دون تحويل كل قرار إصلاحي إلى أزمة اجتماعية مفتوحة.




