المغرب

إدريس لشكر واكتشاف النظرية الجديدة: اليسار هو أنا!

في تاريخ البشرية ظهر فلاسفة كثيرون. ظهر سقراط الذي قال: “اعرف نفسك”. وظهر ديكارت الذي قال: “أنا أفكر إذن أنا موجود”. وظهر ماركس الذي حاول تفسير الصراع الطبقي. لكن البشرية كانت تنتظر حتى سنة 2026 لتكتشف أعظم نظرية فلسفية على يد المحنك إدريس لشكر: “أنا اليسار، إذن اليسار موجود”.

لقد تجاوز الرجل كل المدارس الفكرية السابقة. لم يعد اليسار فكرة أو مشروعاً أو قيماً أو دفاعاً عن الطبقات الشعبية. اليسار أصبح بطاقة تعريف وطنية يحتفظ بها السيد الكاتب الأول في جيبه، يمنحها لمن يشاء ويسحبها ممن يشاء.

تخيلوا معي المشهد…

يقف اليساريون أمام مكتب إداري كبير يحمل لافتة: “المقاطعة العامة لليسار الشرعي”.

يدخل مواطن بسيط ويسأل:

  • سيدي، هل أنا يساري؟
    فيرد الموظف:
  • هل صوتت ضد تسقيف أسعار المحروقات؟
  • لا.
  • إذن لست يسارياً.

يدخل آخر:

  • سيدي، هل أنا يساري؟
  • هل رفضت تأميم لاسامير؟
  • لا.
  • إذن أنت مشبوه.

يدخل ثالث:

  • سيدي، هل أنا يساري؟
  • هل ساهمت في إفشال لجنة تقصي الحقائق حول الفراقشية؟
  • لا.
  • أخرج فوراً… أنت متطرف في حب الشعب!

لقد أصبح اليسار المغربي يشبه ذلك المقهى الذي يضع لافتة ضخمة كتب عليها: “ممنوع التدخين”، بينما صاحبه يبيع السجائر عند الباب.

خطابات نارية ضد الاحتكار في الصباح.
وتصويت مريح لصالح مصالح المحتكرين في المساء.

بكاء على القدرة الشرائية أمام الكاميرات.
ثم دفن كل المبادرات التي قد تحمي القدرة الشرائية داخل البرلمان.

والأجمل من ذلك كله أن من يمارس هذا السحر السياسي يتحدث بعد ذلك عن المبادئ وكأنه خرج للتو من كتاب في الفلسفة السياسية ولم يخرج من جلسة تصويت.

كان الفيلسوف نيتشه يتحدث عن “إرادة القوة”، أما نحن فقد أصبحنا أمام “إرادة الكرسي”. الكرسي الذي يحول المعارض إلى مؤيد، والثوري إلى موظف استقبال، واليساري إلى خبير في تبرير ما كان يهاجمه بالأمس.

المواطن المغربي المسكين يتابع هذا العرض الكوميدي يومياً.

يسمع خطاباً نارياً فيظن أن ثورة اجتماعية على الأبواب.

ثم يكتشف أن صاحب الخطاب نفسه صوت ضد كل ما يمكن أن يخفف عنه ثمن البنزين والغاز والفواتير.

في البداية يغضب.

ثم يحتج.

ثم يضحك.

ثم يكتشف أن الضحك هو آخر أسلحة الفقراء ضد العبث.

ولهذا لم يعد السؤال اليوم: من هو اليساري؟

السؤال الحقيقي هو: كيف استطاعت السياسة المغربية أن تحول بعض الأحزاب إلى كائنات عجيبة تهاجم الشيء وتدافع عنه في الوقت نفسه؟

ربما كان هيغل محقاً عندما تحدث عن الجدل.

لكن حتى هيغل نفسه لو عاد للحياة وشاهد بعض ممارسات السياسة عندنا لطلب العودة فوراً إلى قبره حفاظاً على سمعته الفلسفية.

أما المواطن المغربي فقد حسم الأمر منذ زمن بعبارة شعبية بسيطة تختصر آلاف الصفحات من الفكر السياسي:

“الله ينعل لي ما يحشم”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى