من خدمة توصيل الوجبات إلى خدمة توصيل الدم… إلى أين نسير؟

في زمن التطبيقات الذكية، أصبح كل شيء قابلاً للتوصيل. وجبة الغذاء تصل بضغطة زر، والقهوة تصل بضغطة زر، والملابس تصل بضغطة زر. لكن يبدو أن منطق “خدمة التوصيل” بدأ يتمدد إلى مجالات لم تُخلق أصلاً لهذا النوع من الارتجال.
فالحديث هنا ليس عن بيتزا تأخرت عشر دقائق، ولا عن وجبة باردة وصلت إلى الزبون. الحديث يدور حول الدم، تلك المادة الحيوية التي قد تتوقف عليها حياة إنسان في غرفة العمليات أو قسم المستعجلات.
إذا كانت الأخبار المتداولة صحيحة، فنحن أمام مفارقة غريبة: دولة تتحدث عن الرقمنة والذكاء الاصطناعي وتحديث المنظومة الصحية، بينما يتم تداول معطيات عن اعتماد منطق “خدمة التوصيل” في مجال يفترض أن تحكمه بروتوكولات صارمة ومعايير دقيقة.
المشكلة ليست في سائق الدراجة النارية الذي يبحث عن لقمة عيشه. فالعامل البسيط ليس هو من يضع القواعد ولا هو من يقرر كيفية تدبير القطاعات الحساسة. المسؤولية، إن ثبتت الوقائع، تقع على من سمح بتحويل مسألة صحية دقيقة إلى عملية لوجستية عادية.
اليوم نتحدث عن نقل الدم، وغداً قد نجد من يقترح نقل ملفات المرضى السرية بنفس المنطق، أو تدبير خدمات حيوية أخرى بعقلية “المهم أن تصل”.
المثير للسخرية أن بعض المؤسسات تنفق الملايين على الحملات الإشهارية والشعارات البراقة حول الجودة والتميز، بينما قد تكشف بعض الوقائع أن أبسط حلقات المراقبة والتتبع تحتاج إلى مراجعة.
لهذا فإن القضية لا تتعلق فقط بطريقة النقل، بل بالسؤال الأكبر: أين تبدأ حدود منطق الربح والسرعة، وأين تبدأ مسؤولية حماية صحة المواطنين؟
في الملفات المرتبطة بالدم، لا يكفي أن تصل الشحنة إلى وجهتها. الأهم أن تصل وفق الشروط التي تضمن سلامة المرضى وتحافظ على الثقة في المنظومة الصحية.
ولهذا، إذا كانت هذه المعطيات صحيحة، فالمطلوب ليس تبريرات جاهزة، بل تحقيق واضح وشفاف يجيب عن سؤال بسيط:
هل أصبح الدم هو الآخر جزءاً من اقتصاد “التوصيل السريع”؟




