المال السايب يعلم السرقة

عندما يرفض مجلس المستشارين تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في ملف أثار الكثير من الجدل، يتعلق بدعم بمليارات السنتيمات، فمن الطبيعي أن يطرح المواطن البسيط سؤالا بسيطا: إذا كان كل شيء واضحا وشفافا، فلماذا الخوف من التحقيق؟
المواطن المغربي مخلوق غريب. كلما سمع أن هناك ملفا مثيرا للجدل، ينتظر أن يرى تحقيقا وتوضيحات وأرقاما ومعطيات. لكن يبدو أن المواطن لم يفهم بعد قواعد اللعبة. فبعض الملفات عندنا تشبه الصناديق السوداء في الطائرات: الجميع يعلم بوجودها، لكن لا أحد يريد فتحها.
83 مستشارا صوتوا ضد تشكيل لجنة لتقصي الحقائق. رقم محترم. أغلبية مريحة. أغلبية قالت للمغاربة بلغة سياسية مهذبة: “سيروا تقادوا… الملف بخير ولا يحتاج إلى من يزعجه بالأسئلة.”
وهنا يبدأ المواطن في حك رأسه متسائلا: إذا كانت لجنة تقصي الحقائق ستؤكد سلامة الإجراءات، فلماذا رفضها؟ وإذا كانت ستكشف اختلالات، أليس هذا هو دور المؤسسات الرقابية أصلا؟ أم أن بعض الملفات يجب أن تبقى بعيدة عن الضوء حتى لا تصاب بالحساسية؟
الأجمل في المشهد أن الجميع يتحدث عن الشفافية. الجميع يدافع عن الحكامة. الجميع يرفع شعارات ربط المسؤولية بالمحاسبة. لكن عندما يصل الأمر إلى آلية دستورية اسمها “لجنة تقصي الحقائق”، فجأة تصبح الحقيقة عبئا ثقيلا يجب إعفاؤها من العمل.
المغاربة ليسوا قضاة ولا محققين، ولا يطالبون بإدانة أحد مسبقا. هم فقط يريدون معرفة كيف صرفت الأموال العمومية، ومن استفاد، وما هي النتائج التي تحققت. أسئلة عادية في أي دولة تعتبر المال العام مالا للمواطنين لا مالا مجهول النسب.
لكن يبدو أن بعض المسؤولين توصلوا إلى اختراع سياسي جديد: الشفافية بدون كشف المعطيات، والمحاسبة بدون تحقيق، والثقة دون تقديم أسباب تدعو إلى الثقة.
لهذا أصبح المواطن يطرح السؤال الذي يتردد في المقاهي والأسواق ومواقع التواصل الاجتماعي: “يكما كلشي ضارب الكاملة؟”
طبعا، لا أحد يملك الجواب. لكن المؤكد أن أفضل طريقة لإسكات هذا السؤال ليست التصويت ضد التحقيق، بل فتح الأبواب أمامه. لأن الحقيقة عندما تُحاصر، لا تختفي، بل تتحول إلى شك. والشك، كما نعرف جميعا، هو أكثر الأشياء انتشارا في الحياة السياسية المغربية.
أما المواطن، فسيواصل أداء دوره التاريخي: تمويل الدعم من جيبه، ثم تمويل النقاش حول الدعم من أعصابه.




