أحكام الصيام بقلم الشيخ المقرئ الفقيه عبد اللطيف بوعلام الصفريوي

نظرا لدخول بعض المتطفلين على الفقه في انبرائهم وتصدرهم لنشر الوعي الديني بنقلهم للفتاوى على وسائل التواصل الاجتماعي بصورة غير علمية ولا دقيقة معتقدين أنَّ ما يقومون به عمل خيري يكون لهم ذخرا في المكان الأبدي، فتراهم يفتون العامة، وهم _ مع كامل الأسف وشديد الحسرة لا يحوزون فصاحة لسانية ولا كتابة تعبيرية _ فليحذر هؤلاء المتنطعين من عقاب رب العالمين لأن الجُرأة على الفتوى والدين جرأة على النار باعتبارها توقيع عن الله ورسوله مبلغ الوحي للناس أجمعين.
أما بعد؛ فإن الإحاطة بالتفصيل في الصيام يتطلب أبوابا وقضايا متعددة، ومخافة الإطالة الممجوجة سأتطرق لكل جزئية على حدة ابتداء من اليوم إلى انتهاء الأحكام المحيطة بالركن الرابع من أركان الإسلام، فعلى بركة الله نبدأ، وعليه الاعتماد والتكلان.
دون مقدمة يعلمها الجميع في فرضية الصيام بالتنصيص وجوبا على المسلم والمسلمة طبعا لأنها شقيقة له في الأحكام إلا ما اختصت به منعا في الحالات التي تعتريها كالصلاة والصيام حالة حيضها ونفاسها بالتجاوز عنها في رد الصلاة لأنها ضيف شهر، وردها للصيام لأنه ضيف عام رفعا للمشقة عنها بكتاب رب الأنام وسنة نبيه عليه الصلاة وأزكى السلام، فهذا الأمر معلوم ومحسوم عند الأمة لا يماري فيه اثنان ولا يتناطح فيه عنزان سوى غلاة الشيعة _ هدانا الله وإياهم الصواب _ الذين يأمرون المرأة بالصلاة والصيام، ويجوِّزون وطأها مخالفة للإجماع.
واستهلال حديثنا سينصب على بيان حُكْم صوم كل من المسافر، والمريض، والشيخ المسن الكبير، والحامل، والمرضع.
- بالنسبة للمسافر، فيجوز له الإفطار إذا سافر مسافة القصر المحددة في 48 ميلا، وقدرها الجمهور في 84 أو 86 كيلومترا ( وبعض المتسننين يقدرون المسافة بِقَدْرِ ما تغيب عنك المدينة أو القرية، وهذا نوع من العته والحمق في فهم الشريعة المراعية للمقاصد ) شريطة ألا يكون عاملا ممارسا متدربا على السفر كسائقي الحافلات والطاكسيات والطائرات والباخرات المُمْتهنين لهذه الحرف طول أعمارهم، بحيث يتعذر عليهم طلب رخصة لقضاء الدين إلا في حدود الإمكان، فإنْ أُُعطِيت لهم على التو فلا بأس من قضاء الدين، وإن وجدوا مشقة إضنائية في القيام بعملهم فلهم رخصة الإفطار مع القضاء حسب الظرف.
أما الآن والحمد لله، فالمشقة قد رُفعت عن الناس بفضل المراكب السريعة التي تقطع المسافات الطوال في بعض السويعات بالمكيفات والكراسي المريحة دون الشعور بأدنى تعب يُذكر، فالأفضل لهم الصيام لما أورده الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:
” كُنَّا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، فَمِنّا الصائم، ومنا المُفْطِر، فلا يَجِدُ ( أي: يعاتب ) الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم “. - بالنسبة للمريض: الذي يحدد رخصة إفطاره الطبيب المسلم الكفء المتخصص المقتدر، فإن بَرُؤَ من مرضه صام ما عليه. وإن كان مرضه مزمنا لا يُرجى بُرْؤُهُ أفطر وتصدق عن كل يوم بمُدٍّ من الطعام بقدر حفنة قمح من يد متوسطة، وهي ربع مقدار زكاة الفطر بحسب تحديد ثمنها في كل بلد من خمسة دراهم إلى.. تقدير ثمن أكل قوت البلد، والذي أراه أن عشرة دراهم كافية للإفطار في مدينتنا الصفريوية بالأحياء الشعبية:
3 دراهم زلافة (حساء)، ثلاث ثمرات أو أربع: درهم واحد. قطعة من الشباكية درهم. ربع خبز من الحجم الكبير درهم واحد، ويبقى له أربعة دراهم لشراء ما يتسحر به، ومن تطوع خيرا، فهو خير له. - الشيخ الكبير: وهو الذي بلغ من الشيخوخة سِنا لا يقوى معه على الصيام بتاتا، وله أن يُخرِج مُدّا من الطعام كما بيناه وأوضحناه في الفدية لقول ابن عباس رضي الله عنهما:
” رُخِّصَ للشيخ الكبير أنْ يُطْعِم عن كل يوم مسكينا ولا قضاء عليه” الحديث رواه الدارقطني والحاكم وصححه. - الحامل والمرضعة: إذا كانت المسلمة حاملا ( دون إلحاق التاء بها لكي لا تصير حاملة للبضائع والطائرات كالمرضع والحائض، أما المرضعة الواردة في ذهول يوم القيامة في قوله تعالى بسورة الحج: { يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا، وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللهِ شَدِيدٞ (2) }، فهي في حالة الإرضاع وزيدت التاء في تبيان ذهولها واندهاشها في تلك الزلزلة المزلزلة).
قُلنا إذا كانت حاملا، فخافت على نفسها من تضرر ما في بطنها أفطرت، وعند وضعها وزوال عذرها قضت ما عليها، وإن كانت غنية تصدقت زيادة على القضاء بقدر الفدية أو أكثر بحسب الوُسْع، فيكون ذلك أكمل لها خيرا وأعظم أجرا، وهذا الحكم سَارٍ كذلك على المرضعة (ة) في حالة الإرضاع إذا خافت على نفسها أو على مولودها أن يجف لبنها مدرجة ضمن قوله تعالى بسورة البقرة:
(…وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ، فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ، وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)، ومعنى يطيقونه: أي يطيقون الصيام، ولكنهم يجدون مشقة شديدة، فإن هم أفطروا قضوا ما عليهم إن استطاعوا أو أطعموا مسكينا..
أما الآن، فالأغلبية الساحقة لا ترضع حفاظا على عدم ترهل الثدبين، فتخرجه إن توفر حلبا بيدها دون استفادة طفلها من نجاعة ذلك الطعام قوة وحنانا، وتراها معتمدة على الحليب الاصطناعي والمكملات الغدائية التي تحبل بها الصيدليات.
بقيت الإشارة إلى قضيتين هامتين:
_ الأولى تقاعس الصائم عن قضاء ما أفطره إلى دخول رمضان آخر، فهذا والله لمخجل له فعل ذلك الأمر، ولكن إذا حدث، فعليه الإكثار من الصيام _ إنْ أطال ونسأ العلي القدير في عمره _ بموازاة ذلك إطعام مكان كل يوم يقضيه مسكينا مع التكثير من الاستغفار .
_ الثانية: من أدركته الوفاة في رمضان وعليه صيام الأيام المتبقية قضى عنه أحد أفراد أسرته أعني وليه في الأمر من صُلبِهِ مصداقا للحديث المتفق عليه بين الإمامين البخاري ومسلم مِنْ أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ” من مات وعليه صيام صام عنه وَلِيُّهُ “. ” وسأله سائل: إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، أَفَقْضٍيهِ عنها؟ قال: نعم، فَدَيْنُ اللهِ أًحَقُّ أَنْ يُقْضَى “.
^_ تذكير هذه الأحكام تعتري الجنسي معا أعني الذكر والأنثى، وإلى درس آخر، وبالله السداد والتوفيق.




