الصحراء المغربية.. حين تتحول المعركة من الشعارات إلى اختبار الواقعية السياسية والقانونية

لم تعد قضية الصحراء المغربية مجرد خلاف حول تأويل مبدأ تقرير المصير، بل أصبحت اختبارا لقدرة الأطراف المعنية على الانتقال من منطق الشعارات السياسية إلى منطق الحلول القابلة للتطبيق. ومن هذه الزاوية، تكتسب مداخلة السفير عمر هلال، الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة، يوم 13 أكتوبر 2026، أهمية تتجاوز الرد على أطروحات خصوم الوحدة الترابية، لأنها تعيد طرح سؤال جوهري: هل الغاية من المسار الأممي هي البحث عن تسوية واقعية تنهي النزاع، أم الاستمرار في اجترار تصورات سياسية لم تنجح، على مدى عقود، في إنتاج حل نهائي؟
تتمثل إحدى أبرز نقاط القوة في الموقف المغربي في رفض اختزال تقرير المصير في الاستفتاء باعتباره الآلية الوحيدة الممكنة لممارسته. فالقانون الدولي لا يجعل هذا المبدأ مرادفا تلقائيا للانفصال، بل يرتبط تطبيقه بالسياق القانوني والسياسي وبالحل الذي يمكن التوصل إليه في إطار المسار الأممي. ومن هنا، يطرح المغرب مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أرضية لتسوية تتيح تدبير الشؤون المحلية في إطار السيادة المغربية، وتجمع بين الخصوصية الإقليمية ووحدة الدولة. وهي مقاربة تستمد أهميتها من كونها تنقل النقاش من سؤال الصراع المفتوح إلى سؤال المؤسسات والاختصاصات والضمانات التي يمكن أن تؤسس لاستقرار مستدام.
لكن الدفاع عن الموقف المغربي لا ينبغي أن يقوم على قوة الخطاب وحدها، بل أيضا على دقة التعامل مع المرجعيات الأممية. فالقرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن يمثل محطة مهمة في المسار السياسي، غير أن تقييم آثاره القانونية يقتضي الرجوع إلى نصه الرسمي وعدم الخلط بين دعم المقاربة المغربية للحكم الذاتي وبين إعلان انتهاء جميع جوانب النزاع قانونيا. فالقوة الحقيقية للدبلوماسية المغربية تكمن في إبراز ما راكمته المملكة من دعم لمبادرتها، وفي الوقت نفسه تقديمها باعتبارها إطارا عمليا للتفاوض، قادرا على الاستجابة لمتطلبات التسوية السياسية.
ومن زاوية أخرى، فإن استمرار التمسك بخيارات لم تنتج تسوية نهائية يفرض مساءلة سياسية حول جدوى إعادة إنتاج المواقف نفسها، خصوصا عندما يكون المطلوب هو إنهاء معاناة الساكنة ووضع حد لحالة الجمود الإقليمي. غير أن مسؤولية تعطيل التسوية ينبغي تقييمها استنادا إلى مواقف الأطراف ووقائع المسار الأممي، لا عبر إطلاق أحكام عامة من دون أدلة. فالمغرب يستطيع الدفاع عن وحدته الترابية بصلابة، من دون أن يتخلى عن الدقة القانونية التي تمنح حججه مصداقيتها أمام المجتمع الدولي.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يتعلق بمن يرفع شعار تقرير المصير بصوت أعلى، بل بمن يستطيع تقديم تصور قابل للتنفيذ، يوفر الاستقرار ويحفظ المصالح الأساسية للساكنة. وفي هذا السياق، يظل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، في نظر الرباط، مدخلا لتجاوز منطق المواجهة وبناء حل سياسي دائم. أما استمرار النزاع، فلا يخدم مستقبل المنطقة ولا يفتح آفاقا حقيقية للتنمية والتعاون المغاربي.
لقد أصبحت المعركة الدبلوماسية حول الصحراء المغربية مرتبطة بقدرة المغرب على الجمع بين قوة موقفه، ووضوح مبادرته، والاحتكام الدقيق إلى القانون الدولي. ومن هنا، فإن الدفاع عن الوحدة الترابية لا يقتصر على تفنيد أطروحات الخصوم، بل يشمل أيضا إقناع المجتمع الدولي بأن الحل الواقعي ليس ذاك الذي يعيد إنتاج النزاع، وإنما الذي يضع له نهاية سياسية مستدامة، في إطار يحفظ سيادة المملكة ويمنح المنطقة فرصة الانتقال من صراع طويل إلى أفق الاستقرار والتنمية.




