المغرب

ماء العينين والبام.. من «فليستعدوا» إلى مكتب واحد بمجلس النواب

من موقع المواجهة السياسية إلى مقعد واحد داخل مكتب مجلس النواب، تبدو المفارقة هذه المرة أكثر إثارة من مجرد توزيع للمسؤوليات داخل المؤسسة التشريعية. فقد انتُخبت أمينة ماء العينين، عن فريق العدالة والتنمية، محاسبة بمجلس النواب، إلى جانب هدى المغاري، عن فريق الأصالة والمعاصرة، في تركيبة تضع ممثلتين عن حزبين جمعتهما في مراحل سابقة مواجهة سياسية حادة، داخل موقع مؤسساتي واحد.

القصة لا تتعلق فقط بمنصب المحاسبة، ولا بمجرد اسمين وردا في لائحة مكتب المجلس، بل بخلفية سياسية تجعل هذا الترتيب محط أنظار المتابعين. فماء العينين سبق أن وجهت رسائل شديدة اللهجة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، وذهبت في تصريحات سابقة إلى الحديث عن أن الحزب مقبل على أوقات صعبة، داعية إياه إلى الاستعداد لما قد يواجهه من حزب العدالة والتنمية.

كانت تلك لغة مواجهة انتخابية وسياسية، عنوانها التنافس الحاد بين حزبين لم تكن علاقتهما دائما هادئة. لكن السياسة، كما يبدو، اختارت أن تضع الطرفين هذه المرة في المكان نفسه، وتحت سقف مؤسسة واحدة، وبمسؤولية تتطلب قدرا من التنسيق والتعاون.

وهنا تبرز المفارقة: ماء العينين التي قالت للبام “فليستعدوا”، تجد نفسها اليوم إلى جانب إحدى ممثلاته في تدبير إحدى مسؤوليات مكتب مجلس النواب.

فهل تغيرت قواعد اللعبة، أم أن المؤسسة البرلمانية تفرض على الخصوم السياسيين هدنة مؤسساتية لا تعني بالضرورة نهاية الصراع؟

من الناحية السياسية، لا يعني انتخاب ماء العينين محاسبة إلى جانب هدى المغاري أن الخلافات بين العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة قد انتهت. فالبرلمان نفسه يقوم على تعدد المواقع والمواقف، وقد يجتمع الخصوم داخل هياكل التدبير، ثم يعودون إلى مواقعهم السياسية عند مناقشة القوانين والسياسات الحكومية.

لكن المفارقة تظل قائمة، وربما تحمل معها اختبارا حقيقيا لشخصية كل طرف: هل تستطيع ماء العينين الفصل بين خطاب المعارضة ومتطلبات المسؤولية داخل مكتب المجلس؟ وهل يستطيع ممثلو البام التعامل معها باعتبارها شريكة في تدبير المؤسسة، لا مجرد خصم سياسي؟

ثم إن منصب المحاسبة، بما يحمله من بعد مالي وإداري داخل المؤسسة، يجعل التعاون بين الطرفين أمرا عمليا أكثر منه خيارا خطابيا. فالملفات لا تعرف لغة “نحن وأنتم”، بقدر ما تحتاج إلى تدبير ومسؤولية وتنسيق.

وبين “فليستعدوا” التي أطلقتها ماء العينين في مرحلة سابقة، ووجودها اليوم إلى جانب ممثلة عن البام في مكتب مجلس النواب، تبدو السياسة وكأنها تعيد ترتيب المشهد بطريقتها الخاصة.

لقد انتقلت المواجهة من “فليستعدوا” إلى “فلنتدبر معا”، ولو داخل مؤسسة واحدة.

والسؤال الذي سيبقى مطروحا ليس هل انتهى الصراع بين العدالة والتنمية والبام، بل: هل ستنجح التجربة الجديدة في تحويل الخصومة السياسية إلى تنافس مؤسساتي، أم أن ما قيل بالأمس سيجد طريقه إلى مكتب المجلس اليوم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى