المغربفاس

قضية مدير إقليمي بفاس تعيد ملف الفساد الإداري إلى الواجهة

تفتح قضية متابعة مدير إقليمي للمؤسسة المغربية للنهوض بالتعليم الأولي، أمام القضاء بفاس، نقاشا أوسع من حدود الاتهامات الموجهة إلى شخص بعينه، لتعيد إلى الواجهة سؤال الرقابة على المال، وكيف يمكن لبعض المسؤوليات الإدارية، عندما تغيب عنها آليات التتبع والمراقبة الكافية، أن تتحول من موقع لتدبير المرفق إلى مجال لاستغلال الصلاحيات.

وبحسب المعطيات المتداولة حول الملف، فقد قررت النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بفاس إيداع المسؤول المعني سجن بوركايز، ومتابعته في حالة اعتقال، على خلفية اتهامات تتعلق باختلاس أموال عمومية وخيانة الأمانة في حق المشغل، إلى جانب التزوير في محررات عرفية واستعمالها، والدخول إلى نظام للمعالجة الآلية للمعطيات عن طريق الاحتيال.

وتظل هذه الأفعال، في هذه المرحلة، اتهامات موضوع مسطرة قضائية، ولا يمكن اعتبارها إدانة نهائية قبل صدور حكم قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به. غير أن طبيعة التهم المتضمنة في الملف تجعل القضية تطرح أسئلة جدية حول حدود المسؤولية الإدارية عندما تكون لدى المسؤول صلاحيات مرتبطة بالتدبير المالي أو الوثائق أو الأنظمة المعلوماتية.

فالفساد الإداري لا يبدأ دائما من عملية اختلاس واضحة، وإنما قد يتخذ صورا متعددة، من استغلال الصلاحيات خارج الأهداف المحددة لها، إلى التلاعب بالوثائق، أو توظيف النفوذ الإداري لتحقيق مصالح شخصية، أو الاستفادة من ضعف الرقابة الداخلية. وكلما اتسعت صلاحيات المسؤول دون أن توازيها آليات فعالة للتدقيق والمساءلة، اتسعت معه احتمالات إساءة استعمال السلطة.

وتكشف مثل هذه الملفات أيضا أن محاربة الفساد لا ينبغي أن تقتصر على التدخل بعد وقوع الاختلالات، بل تبدأ أساسا من بناء منظومة وقائية تمنع الانحراف قبل حدوثه. فالفصل بين المهام، والمراقبة المالية المنتظمة، والتدقيق في العمليات، وتتبع الولوج إلى الأنظمة المعلوماتية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، كلها آليات ضرورية لحماية المؤسسات والمال العام.

كما أن استغلال النفوذ الإداري، إن ثبت في أي ملف قضائي، لا يضر فقط بالموارد المالية، وإنما يضرب الثقة داخل المؤسسة نفسها. فالموظف أو العامل الذي يشعر بأن القواعد لا تطبق على الجميع بالقدر نفسه قد يفقد الثقة في الإدارة، بينما يؤدي غياب المراقبة إلى تحويل المسؤولية من تكليف لخدمة المرفق إلى فرصة محتملة لتحقيق منافع غير مشروعة.

وتكتسي القضية أهمية إضافية بالنظر إلى ارتباط المؤسسة المعنية بقطاع التعليم الأولي، وهو مجال يرتبط مباشرة بالأطفال والأسر وبالاستثمار في تكوين الأجيال المقبلة. ولذلك فإن أي اختلال في تدبير الموارد المخصصة لهذا المجال، إذا ثبت قضائيا، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد مخالفة إدارية، بل باعتباره مسألة تمس فعالية المؤسسة وثقة المجتمع في الخدمات التي تقدمها.

وفي انتظار ما ستسفر عنه المحاكمة، يبقى الدرس الأبرز هو أن حماية المال العام والمؤسسات لا تتحقق فقط بالعقوبات بعد اكتشاف المخالفات، وإنما بمنظومة متكاملة تجعل المسؤول الإداري خاضعا للمراقبة، وتمنع تركيز الصلاحيات، وتضمن إمكانية تتبع كل عملية مالية أو إدارية، وتغلق المنافذ التي قد تسمح باستغلال النفوذ.

القضاء وحده سيحسم في الوقائع المنسوبة إلى المسؤول المتابع، لكن القضية تفتح في المقابل نقاشا ضروريا حول مسؤولية المؤسسات في بناء إدارة لا تعتمد فقط على الثقة في الأشخاص، بل على أنظمة رقابة تجعل احترام القانون قاعدة ثابتة، أيا كان موقع المسؤول أو حجم الصلاحيات التي يتوفر عليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى