العالم

ترامب يتهم الهجرة والإسلام بأزمة فرنسا.. لكن جذور الاحتجاجات أعمق من شماعة الهوية

اتجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تحميل الهجرة والإسلام مسؤولية الاحتجاجات الطلابية التي تشهدها فرنسا، في موقف يختزل أزمة اجتماعية واقتصادية معقدة في عاملين يرتبطان بالهوية والهجرة، بينما تكشف طبيعة المطالب المرفوعة في الشارع عن أسباب أعمق تتصل بالتعليم والخدمات العمومية والقدرة الشرائية ومستقبل الشباب الفرنسي.

فالأزمة التي تعيشها فرنسا لا يمكن اختزالها في وجود المهاجرين أو في الدين الإسلامي، كما أن الاحتجاجات الطلابية لا يمكن تفسيرها بمجرد خطاب الهوية. ما يحدث هو انعكاس لتراكمات اقتصادية واجتماعية وسياسية تتجاوز بكثير التفسير الذي قدمه الرئيس الأميركي.

إن النظام الرأسمالي العالمي يعيش منذ سنوات أزمات متلاحقة، من ارتفاع تكاليف المعيشة إلى أزمة الديون والضغط على الميزانيات العمومية وتراجع القدرة على تمويل عدد من القطاعات الاجتماعية. وفرنسا ليست معزولة عن هذه التحولات، بل توجد في قلبها باعتبارها إحدى القوى الاقتصادية الكبرى التي تواجه في الوقت نفسه تحديات داخلية وخارجية متزايدة.

كما أن التحولات التي عرفتها علاقة فرنسا بإفريقيا خلال السنوات الأخيرة لا يمكن تجاهلها عند قراءة المشهد الاقتصادي والسياسي الفرنسي. فقد تراجع النفوذ الفرنسي في عدد من دول الساحل، وتعرضت باريس لضغوط متزايدة لإعادة النظر في طبيعة علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع القارة الإفريقية.

هذا التراجع لا يعني، بطبيعة الحال، أن الأزمة الاجتماعية الفرنسية سببها المباشر فقدان النفوذ في إفريقيا، لكنه يشكل جزءا من التحولات الكبرى التي تعرفها مكانة فرنسا ومصالحها الاقتصادية في النظام الدولي.

لقد أصبحت دول إفريقية عدة أكثر إصرارا على التحكم في مواردها الطبيعية وإعادة النظر في شروط الشراكات الاقتصادية القديمة، وهو ما يفرض على القوى الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا، إعادة صياغة علاقاتها بالقارة.

وفي المقابل، تواجه الدولة الفرنسية ضغوطا داخلية مرتبطة بالمالية العمومية والإنفاق الاجتماعي والتعليم والصحة والخدمات العامة. وعندما تتراجع قدرة الدولة على الاستجابة لمطالب المجتمع، فإن الاحتجاج يصبح نتيجة طبيعية لصراع أوسع حول توزيع الموارد والأولويات الاقتصادية.

وهنا تحديدا تبدو مقاربة ترامب عاجزة عن تفسير الصورة كاملة.

فالمهاجر الذي يعيش في فرنسا لم يصنع أزمة الدين العام، ولم يضع ميزانية التعليم، ولم يقرر حجم الإنفاق على المدارس، ولم يكن مسؤولا عن التحولات التي طرأت على الاقتصاد الفرنسي وعلاقاته الدولية. كما أن الإسلام لا يمكن أن يكون تفسيرا جاهزا لكل أزمة اجتماعية تظهر في بلد أوروبي.

إن تحويل النقاش من الاقتصاد إلى الهوية قد يكون مفيدا سياسيا لمن يريد تعبئة الناخبين، لكنه لا يقدم إجابة حقيقية عن الأسباب التي تدفع الشباب إلى الشارع.

فالسؤال الأساسي ليس: هل يوجد مهاجرون في فرنسا؟ أو هل يوجد مسلمون في المجتمع الفرنسي؟

السؤال الأهم هو: لماذا تتزايد مشاعر القلق الاجتماعي لدى جزء من الشباب الفرنسي؟ ولماذا أصبحت المدرسة العمومية والخدمات الاجتماعية والقدرة على بناء مستقبل مستقر موضع احتجاج؟

هذه الأسئلة تقود إلى الاقتصاد والسياسات العمومية، وإلى طبيعة النموذج الاجتماعي الفرنسي، وإلى موقع فرنسا المتغير في الاقتصاد العالمي.

ومن هنا فإن اختزال ترامب لأزمة فرنسا في الهجرة والإسلام يظل قراءة سياسية ضيقة لأزمة أوسع. فالمجتمعات لا تدخل في حالة احتجاج واسع لأن فئة دينية أو مهاجرين موجودون فيها، وإنما عندما تتراكم لديها اختلالات يشعر معها المواطن بأن النظام الاقتصادي والاجتماعي لم يعد يستجيب بالقدر نفسه لحاجاته وانتظاراته.

وفرنسا، مثل غيرها من الدول الغربية، تواجه اليوم سؤالا أكبر من ملف الهجرة: كيف يمكن الحفاظ على دولة اجتماعية قوية في ظل الضغوط التي يفرضها النظام الرأسمالي العالمي والتحولات الجيوسياسية وتراجع بعض مصادر النفوذ الاقتصادي الخارجي؟

ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يكون في قلب النقاش.

أما تحويل المهاجر والإسلام إلى شماعة لتعليق الأزمات عليها، فلن يغير من حقيقة أن الاحتجاجات تكشف عن توترات اقتصادية واجتماعية عميقة تحتاج إلى معالجة جذورها، وليس فقط البحث عن عدو خارجي أو داخلي لتحميله المسؤولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى