المغرب

حكومة تتحدث بلغة الشركات… والمواطن يطلب منه أن يتنفس بالصبر


لم يعد المغاربة ينتظرون من هذه الحكومة حلولاً كبرى، ولا معجزات اقتصادية، ولا حتى وعوداً قابلة للتصديق. كل ما يطلبه الناس اليوم هو قدر بسيط من الاحترام لعقولهم. لكن حتى هذا الحد الأدنى يبدو أن حكومة أخنوش عاجزة عن توفيره، وهي تواصل إدارة الشأن العام بعقلية المقاولة الخاصة، لا بعقلية الدولة التي يفترض أن تنصت لنبض المجتمع وآلامه اليومية.
في كل خرجات الوزراء، يتأكد للمغاربة أنهم أمام حكومة تعيش في عالم آخر. حكومة تتحدث بلغة الأرقام الجافة، والصفقات، والاستثمارات، ومؤشرات النمو، بينما المواطن يبحث فقط عن دواء مفقود، أو وظيفة تحفظ كرامته، أو مدرسة لا تتحول إلى مختبر للفوضى، أو مستشفى لا يُعامل فيه الفقير كعبء زائد عن الحاجة.
حين يتحدث وزير التعليم بلغة أقرب إلى عروض الشركات متعددة الجنسيات، مليئة بالمصطلحات الباردة التي لا روح فيها ولا معنى، فإن الأمر لا يتعلق فقط بسوء تواصل، بل بكارثة فكرية وسياسية. التعليم ليس مشروع “ماركتينغ”، وليس منصة لتسويق الشعارات التقنية، بل قضية مجتمع ومستقبل أجيال. لكن يبدو أن بعض المسؤولين ينظرون إلى المدرسة كما ينظر مدير شركة إلى منتوج يحتاج إلى “إعادة هيكلة” و”تحسين الأداء”، دون أن يفهموا أن التعليم روح وهوية وعدالة اجتماعية قبل أي شيء آخر.
أما حين يخرج وزير آخر ليحدث المغاربة، بكل ثقة، عن مواطن في تارودانت يتقاضى 400 درهم في نصف يوم، فذلك لم يعد مجرد انفصال عن الواقع، بل استفزاز مباشر لشعب يعرف جيداً ماذا تعني البطالة والهشاشة والعمل الموسمي والجوع الصامت. المغاربة لا يعيشون داخل التقارير الوردية التي تُرفع إلى مكاتب الوزراء المكيفة، بل داخل واقع قاسٍ، حيث صار الحصول على أبسط شروط الحياة معركة يومية.
المفارقة المؤلمة أن المليارات تُصرف على المخططات والبرامج والاستراتيجيات التي تحمل أسماء براقة، بينما المستشفيات تفتقر للأدوية، والشباب يطارد سراب الشغل، والقرى تُنسى خارج حسابات التنمية، والطبقة المتوسطة تُسحق ببطء تحت ثقل الأسعار والضرائب والفواتير. وكأن الدولة أصبحت تتقن فقط فن الإعلان عن المشاريع، لا فن رؤية أثرها الحقيقي في حياة الناس.
لقد بلغ الاحتقان مرحلة خطيرة. ليس فقط بسبب الفقر أو الغلاء، بل بسبب الإحساس الجماعي بأن هناك من يستخف بعقول المواطنين. كل يوم تصريح متناقض، كل يوم وعود جديدة، كل يوم أرقام لا تشبه الواقع، وكل يوم خطاب رسمي يحاول إقناع المغاربة بأن الأمور بخير، بينما الناس يرون العكس بأعينهم في الأسواق والمستشفيات والإدارات والشوارع.
المغاربة لم يعودوا يطلبون الرفاهية، بل فقط الحد الأدنى من الكرامة. لكن يبدو أن الحكومة منشغلة أكثر بتضخيم لغة الإنجازات الورقية، وتلميع الصورة، وتدوير نفس الخطابات، حتى صار المواطن يشعر أن كل شيء يتحول إلى صفقة: التعليم، الصحة، الماء، الدعم، وحتى الأمل نفسه.
إلى أين يُساق هذا البلد؟
وأي منطق سياسي هذا الذي يطلب من شعب مثقل بالأزمات أن يواصل التصفيق بينما تُنهك قدرته على الاحتمال يوماً بعد يوم؟
لقد تعب الناس من الانتظار، وتعب الصبر من الصبر نفسه. وما يخيف اليوم ليس فقط حجم الغضب، بل اتساع الهوة بين خطاب السلطة وواقع المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى