المغرب

عندما رسب السياسيون في امتحان الفرنسية ونجح التلاميذ

يبدو أن بعض السياسيين قرروا هذا العام اجتياز الامتحان الجهوي للغة الفرنسية بعد انتهاء التلاميذ منه، لكن النتائج الأولية لا تبعث على الاطمئنان. فبينما نجح آلاف التلاميذ في فهم طبيعة السؤال وسياقه البيداغوجي، سقط بعض من يفترض أنهم يمثلون الأمة في فخ القراءة الحرفية والاندفاع نحو صناعة معركة وهمية.

القصة بدأت بسؤال عادي في مادة التعبير الكتابي يدعو التلميذ إلى مناقشة مقولة تعتبر أن المرأة خُلقت فقط للزواج والإنجاب. أي تلميذ في السنة الأولى باكالوريا يعرف أن هذا النوع من الأسئلة ليس منشوراً دعائياً ولا بياناً سياسياً ولا فتوى اجتماعية، بل مجرد أطروحة مطروحة للنقاش والحجاج والتفكيك والنقد.

لكن يبدو أن البعض قرأ ورقة الامتحان بعين الباحث عن الإثارة لا بعين الباحث عن الفهم. وكأن واضعي الامتحان مطالبون مستقبلاً بإدراج الأسئلة مرفقة بعشرات التنبيهات: “انتباه: هذه الفكرة لا نتبناها”، “تحذير: المطلوب مناقشة الفكرة لا الإيمان بها”، “ملاحظة: لا داعي للذعر”.

المفارقة المضحكة أن السؤال نفسه صُمم أساساً لكي يمنح التلميذ فرصة الدفاع عن المساواة وتفنيد الصور النمطية. بمعنى آخر، الفكرة المطروحة ليست هي الجواب المطلوب، بل هي المادة الخام التي يُفترض أن يقوم التلميذ بتشريحها ونقدها. غير أن بعض محترفي الضجيج السياسي تعاملوا مع الأمر وكأن وزارة التربية الوطنية وزعت منشوراً رسمياً لإعادة النساء إلى القرن التاسع عشر.

المشكلة هنا ليست في السؤال، بل في نوع من “الفهامة الخاوية” التي أصبحت تعتبر نفسها وصية على المعاني قبل قراءتها، وعلى النوايا قبل فهمها، وعلى المناهج قبل الاطلاع عليها. فبمجرد رؤية عبارة صادمة، ينطلق الإنذار الأحمر وتبدأ حفلات التنديد والاستنكار وكأن اكتشاف مؤامرة كونية قد تم للتو.

ولو استمر هذا المنطق، فقد يصبح من الضروري مستقبلاً منع تدريس الفلسفة لأنها تعرض أفكاراً مختلفة، ومنع التاريخ لأنه يتضمن حروباً وتمييزاً واستعماراً، ومنع الأدب لأنه يروي قصص شخصيات تحمل أفكاراً خاطئة. فالعقلية نفسها لا تفرق بين عرض الفكرة وتحليلها وبين تبنيها والدفاع عنها.

والأكثر إثارة للسخرية أن التلاميذ أنفسهم فهموا الدرس أفضل من بعض السياسيين. لقد تعاملوا مع السؤال باعتباره تمريناً حجاجياً عادياً، بينما تعامل معه البعض باعتباره قضية رأي عام تستوجب التعبئة القصوى والبلاغات العاجلة والأسئلة البرلمانية المستعجلة.

في النهاية، يبدو أن الامتحان كشف شيئاً مهماً لم يكن مدرجاً ضمن الأهداف التعليمية المعلنة: هناك من يحتاج إلى دروس إضافية في منهجية تحليل النصوص قبل أن يطالب بمراجعة الامتحانات. فالتلميذ طُلب منه أن يناقش الفكرة، أما البعض فاختار أن يناقش وجود الفكرة نفسها، وهنا بالضبط يكمن الفرق بين التربية على التفكير والتدريب على ردود الفعل.

باختصار، لم يكن السؤال فضيحة تربوية، بل كان اختباراً بسيطاً كشف أن التلاميذ استوعبوا معنى الحجاج والجدل أكثر من بعض الذين اعتبروا أنفسهم حراساً للحقيقة. وربما كان أكبر نجاح حققه الامتحان هذه السنة أنه أظهر من يقرأ النص، ومن يكتفي بقراءة عنوانه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى