المغرب

حين يسقط الصمت في مؤسسات الرعاية: أسئلة الدولة والمجتمع بعد فضيحة “دار الطالبة”


تثير المعطيات المتداولة حول قضية الاشتباه في اعتداء جنسي منسوب إلى “مسؤول سياسي نافذ” داخل مؤسسة اجتماعية لرعاية التلميذات بقرية با محمد، وما رافقها من حديث عن قاصرات في وضعيات بالغة الحساسية، صدمة تتجاوز حدود الواقعة نفسها، لتفتح سؤالاً أعمق حول منظومة الحماية، والرقابة، والمسؤولية داخل مؤسسات يُفترض أنها فضاءات أمان قبل أن تكون مجرد هياكل إيواء.
ورغم أن تفاصيل الملف ما تزال غير مكتملة ولم تُكشف بشكل رسمي شامل، فإن مجرد تداول هذه الاتهامات يضعنا أمام إشكال مزدوج: إشكال الحقيقة القضائية التي تحتاج إلى تحقيق دقيق ومحايد، وإشكال الواقع الاجتماعي الذي يسمح – في حال ثبوت أي تجاوز – بتحول فضاءات الحماية إلى فضاءات هشاشة قصوى.
الأخطر في مثل هذه القضايا ليس فقط حجم الاتهام، بل السياق الذي يُفترض أن يحدث فيه. فمؤسسات “دار الطالبة”، وغيرها من دور الرعاية الاجتماعية، تُنشأ أساساً لتعويض الفجوة الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها فئات هشة، خصوصاً الفتيات القاصرات في العالم القروي. وعندما تُطرح شبهات حول انتهاك داخل هذه الفضاءات، فإن السؤال لا يعود فردياً فقط، بل مؤسساتياً وبنيوياً: أين تبدأ الحماية وأين تنتهي الرقابة؟
القضية، بصرف النظر عن مآلاتها القضائية، تعيد إلى الواجهة إشكال العلاقة بين السلطة والنفوذ من جهة، والفضاءات الاجتماعية الحساسة من جهة أخرى. فوجود شخصية سياسية أو نافذة داخل مجال يفترض فيه أعلى درجات الانضباط الأخلاقي والقانوني، يطرح سؤال تضارب المواقع: هل يتم التعامل مع هذه الفضاءات كمساحات خدمة عمومية، أم كمساحات يمكن أن تتسلل إليها علاقات القوة خارج إطار القانون؟
ثم هناك سؤال الثقة، وهو الأخطر على الإطلاق. فحين تهتز الثقة في مؤسسات الرعاية، لا يكون الضرر محصوراً في واقعة معزولة، بل يمتد إلى صورة الدولة نفسها باعتبارها ضامناً للحماية. القاصرات اللواتي يلجأن إلى هذه المؤسسات يفترض أن يجدن فيها مأوى آمناً، لا فضاءً يضاعف هشاشتهن.
لكن ما يجعل مثل هذه القضايا أكثر تعقيداً هو الصمت الذي يرافقها عادة في بدايتها. صمت إداري، وصمت اجتماعي، وأحياناً صمت خوف من “قوة الفاعل” أو من تداعيات كشف الملف. وهذا الصمت هو الذي يحول الانتهاك – إن ثبت – من فعل فردي إلى خلل منظومة كاملة تسمح بحدوثه أو تؤخر كشفه.
من زاوية أخرى، تضع هذه القضية القضاء أمام اختبار دقيق: ليس فقط في إثبات أو نفي الوقائع، بل في ترسيخ فكرة أن القانون لا يعرف مواقع النفوذ، وأن المؤسسات الاجتماعية ليست خارج مجال المساءلة. فعدالة هذه القضايا لا تُقاس فقط بالأحكام، بل بسرعة وشفافية التحقيق، وبقدرة المؤسسات على حماية الضحايا المفترضين من أي ضغط أو وصم أو استغلال ثانوي.
وفي العمق، تطرح هذه الوقائع سؤالاً اجتماعياً أكثر إيلاماً: كيف يمكن لمجتمع أن يضمن حماية أطفاله وقاصريه في فضاءات يُفترض أنها الأكثر أماناً، إذا كانت هذه الفضاءات نفسها غير محصنة بالكامل من اختراقات السلطة أو ضعف الرقابة أو هشاشة الحكامة؟
الجواب لا يمكن أن يكون انفعالياً، ولا يمكن أن يُختزل في الواقعة وحدها، بل في مراجعة أوسع لمنظومة الحماية الاجتماعية، وآليات التسيير، وطرق المراقبة، وتحديد المسؤوليات بشكل صارم وواضح، دون مناطق رمادية.
في انتظار ما ستكشفه التحقيقات الرسمية، تبقى الحقيقة الأهم قائمة بالفعل: كل مؤسسة تُفترض أنها للحماية، لكنها لا تخضع لرقابة صارمة وشفافة، تتحول تدريجياً من فضاء أمان إلى سؤال مفتوح حول معنى الأمان نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى