حين يحارب السوقُ نفسه في التلفزيون: من يضحك على من في معركة الأسعار؟

في كل مرة يُفتح فيها ملف الأسعار في المغرب، يظهر المشهد وكأنه مسرحية مكتملة العناصر: مسؤول حكومي يتحدث بثقة، مصطلحات تقنية تتطاير في الهواء، ووعود بـ“تنظيم السوق” و“محاربة المضاربين”. هذه المرة، جاء التصريح على لسان محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار ، مؤكداً أن حماية القدرة الشرائية تمر عبر ضبط هوامش الربح ومحاربة الجشع.
لكن السؤال الذي يطفو فوراً، دون حاجة إلى تحليل اقتصادي معقد، هو: من هو السوق الذي يُفترض أنه سيُضبط؟ ومن يملك أدوات ضبطه أصلاً؟
حين ننظر إلى خريطة الاقتصاد والسياسة في المغرب، خصوصاً داخل حزب التجمع الوطني للأحرار وأحزاب الأغلبية، لا يبدو المشهد وكأنه صراع بين “الدولة” و“المضاربين”، بل أقرب إلى حوار داخلي بين أطراف تتقاسم نفس الفضاءات: شركات، فلاحات كبرى، سلاسل توزيع، واستثمارات تتحرك داخل نفس الدائرة السياسية-الاقتصادية.
وهنا يصبح الخطاب عن “محاربة الجشع” أقرب إلى إعلان حرب داخل عائلة واحدة… مع ضمان أن لا أحد يخرج فعلياً من البيت.
المفارقة الساخرة أن “المضارب” الذي يتم تقديمه في الخطاب الرسمي كعدو خارجي مجهول الهوية، غالباً ما يكون جزءاً من منظومة اقتصادية لا تتحرك في الفراغ. هو ليس شبحاً في السوق، بل حلقة ضمن سلسلة طويلة تبدأ من الإنتاج، تمر عبر التوزيع، وتنتهي عند الاستهلاك… وكل حلقة فيها تعرف الأخرى جيداً.
لكن الخطاب السياسي يفضل دائماً هذا التبسيط المريح: هناك “جشع”، وهناك “دولة ستتدخل”. وكأن الدولة تقف خارج الاقتصاد، لا داخله، وكأن القرار الاقتصادي يُصنع في فراغ لا تربطه مصالح، ولا علاقات، ولا توازنات.
المواطن الذي يسمع هذا الكلام لا يحتاج إلى خبراء اقتصاد ليطرح سؤالاً بسيطاً: إذا كانت المنظومة التي تحدد الأسعار جزءاً من نفس الدائرة السياسية التي تعد بضبطها، فمن يضبط من بالضبط؟
الأكثر سخرية أن الحديث عن “حماية القدرة الشرائية” يأتي في سياق ترتبط فيه قطاعات واسعة من الاقتصاد بشبكات مصالح متداخلة: من الفلاحة إلى التوزيع إلى الاستيراد. وهنا يصبح المشهد أشبه بشخص يمسك بميزان السوق ويعلن أنه سيعدل الكفة… بينما يده الأخرى على نفس الميزان.
لا يتعلق الأمر باتهام مباشر لأي فاعل، بل بتوصيف بنية كاملة تجعل الخطاب الأخلاقي حول “الجشع” يبدو بسيطاً أكثر مما يحتمل الواقع. فحين تكون الأسعار نتيجة توازنات معقدة، يصبح اختزالها في “مضارب شرير” نوعاً من الراحة السياسية، لا التحليل الاقتصادي.
وهنا تحديداً يظهر التناقض: خطاب يَعِد بمحاربة الغلاء، لكنه لا يقترب كثيراً من تفكيك آليات إنتاجه. يتحدث عن ضبط الهوامش، لكنه لا يفتح النقاش العميق حول من يحدد هذه الهوامش أصلاً، وكيف تتشكل، ومن يستفيد منها فعلياً.
في النهاية، لا يحتاج المواطن إلى الكثير من البلاغة ليلاحظ المفارقة: نفس الفضاء السياسي الذي يُفترض أنه “يحمي السوق من نفسه”، هو نفسه جزء من هذا السوق، أو على الأقل قريب جداً من دوائره الفاعلة.
وهكذا يصبح السؤال أقرب إلى مرآة سياسية قاسية: عندما يتحدث البعض عن محاربة المضاربين، هل يتحدثون عن خصوم خارج المنظومة… أم عن ظلال داخلها يتم إلقاء اللوم عليها عند الحاجة، ثم نسيانها عند توزيع الغنائم؟
في هذه المعادلة، لا يبدو أن أحداً يضحك علناً. لكن في مكان ما بين التصريحات وأسعار السوق، يبدو أن الجميع يفهم اللعبة… كل بطريقته.




