الرباط

حرب العدالة المفتوحة.. عندما تحول وهبي والمحامون من شركاء الإصلاح إلى خصوم في حلبة الصراع

لم يعد الخلاف بين وزير العدل عبد اللطيف وهبي وهيئات المحامين مجرد اختلاف في وجهات النظر حول بعض القوانين أو الملفات المهنية، بل تحول تدريجياً إلى مواجهة مفتوحة تتبادل فيها الاتهامات والتصريحات النارية، بينما يجد المتقاضون أنفسهم أمام أزمة جديدة تهدد السير العادي لمنظومة العدالة.
قرار جمعية هيئات المحامين بالمغرب التوقف عن العمل لمدة أسبوع كامل ليس حدثاً مهنياً عادياً، بل مؤشر على وصول العلاقة بين الطرفين إلى مرحلة غير مسبوقة من التوتر. فحين يقرر آلاف المحامين تعليق خدماتهم احتجاجاً على تصريحات وزير العدل، فإن الأمر يتجاوز حدود النقاش المؤسساتي ليتحول إلى أزمة ثقة بين مكونين أساسيين داخل منظومة العدالة.
اللافت في هذه المواجهة أن كل طرف يقدم نفسه باعتباره المدافع عن المصلحة العامة. الوزير يتحدث عن المال العام وضرورة إخضاعه للرقابة والافتحاص، مستنداً إلى مبدأ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. أما المحامون فيعتبرون أن الأمر لا يتعلق بالرقابة بقدر ما يتعلق بمحاولة تشويه المهنة وإضعاف مؤسساتها أمام الرأي العام.
وفي الحقيقة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس من انتصر في هذه الجولة الإعلامية، بل لماذا وصل النقاش أصلاً إلى هذا المستوى من الاحتقان؟ فإذا كان هناك مال عام صُرف في إطار المساعدة القضائية، فمن الطبيعي أن يخضع للمراقبة مثل باقي الأموال العمومية. وإذا كانت المؤسسات المهنية للمحامين تخضع فعلاً لآليات المراقبة القانونية، فإن تقديم المعطيات للرأي العام بشكل شفاف قد يكون أفضل رد على أي تشكيك.
لكن يبدو أن المشكلة الحقيقية أعمق من ملف المساعدة القضائية نفسه. فالعلاقة بين وهبي وهيئات المحامين تعيش منذ سنوات على وقع توترات متكررة بسبب مشاريع قوانين وإصلاحات اعتبرتها المهنة استهدافاً لمكتسباتها وصلاحياتها، بينما اعتبرتها الوزارة جزءاً من تحديث قطاع العدالة.
اليوم، ومع الإعلان عن توقف شامل للخدمات المهنية، يصبح المواطن هو أول المتضررين من هذا الصراع. فالقضايا ستتأخر، والجلسات قد تؤجل، والملفات ستتراكم، في وقت ينتظر فيه المتقاضون عدالة سريعة وفعالة، لا معارك سياسية ومهنية لا تنتهي.
والأخطر أن هذا النوع من الصدامات يضعف ثقة المواطنين في المؤسسات. فعندما يرى المواطن وزير العدل يتحدث عن افتحاص الأموال، والمحامين يتحدثون عن حملات تشويه وتحريض، فإنه يجد نفسه أمام روايتين متناقضتين، دون أن يحصل على أجوبة واضحة حول جوهر المشكلة.
في النهاية، لا تحتاج منظومة العدالة إلى مزيد من المواجهات، بل إلى مزيد من الحوار والوضوح. فالعدالة ليست ملكاً للوزير ولا للمحامين، بل هي خدمة عمومية يفترض أن يكون المواطن المستفيد الأول منها. أما استمرار منطق التصعيد المتبادل، فلن ينتج سوى مزيد من الاحتقان داخل قطاع يفترض أن يكون عنواناً للاستقرار القانوني والمؤسساتي.
وبين دعوات الافتحاص واتهامات التشهير، يبقى السؤال معلقاً: هل ستنتصر لغة الحوار قبل أن تتحول الأزمة إلى شلل أوسع داخل مرفق العدالة، أم أن الطرفين اختارا بالفعل السير في طريق المواجهة حتى النهاية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى