المغرب بخير… فقط الحقيقة تمشي على مهل

في المغرب، كل شيء بخير… أو هكذا يُفترض أن نفهم.
تفتح الأخبار، فتجد بلدًا يتحرك بثقة نحو المستقبل: مشاريع كبرى، أرقام مطمئنة، وخطابات تتحدث عن التحول، الإقلاع، والنمو. تغلق الهاتف، تخرج إلى الشارع، فتجد واقعًا أقل حماسة… كأن هناك بلدين يسيران جنبًا إلى جنب، دون أن يلتقيا إلا في نشرات الأخبار.
ليس في الأمر مؤامرة، ولا حتى كذبة صريحة. المسألة أبسط من ذلك، وأعقد في الآن نفسه: هناك سردية رسمية، وهناك تجربة يومية. الأولى مصقولة، متماسكة، تعرف ماذا تقول ومتى تقوله. الثانية متعبة، متقطعة، لا تملك دائمًا اللغة لتشرح نفسها.
المواطن، في هذه المعادلة، ليس غبيًا. هو فقط يعيش مفارقة يومية: يسمع عن التحسن… ولا يلمسه بنفس الدرجة. يُقال له إن الفرص موجودة… لكنه يقضي سنوات يبحث عنها. يُطلب منه أن يكون صبورًا… لكنه لا يعرف إلى متى.
في الظاهر، يبدو المشكل نفسيًا: سوء فهم، ضعف في التأقلم، قلة صبر. لكن إذا اقتربنا أكثر، سنجد أن الأمر يتعلق بشيء أعمق: بنية تُنتج الفجوة بين ما يُقال وما يُعاش.
الاقتصاد، مثلًا، لا ينمو بشكل متساوٍ للجميع. هناك قطاعات تتقدم بسرعة، تستفيد من الاستثمارات والبنية التحتية، وهناك فئات واسعة تظل عالقة في الهامش، تشتغل دون استقرار، وتعيش على إيقاع غير مضمون. ليس لأنهم لا يريدون العمل، بل لأن شروط اللعبة نفسها لا تضعهم في موقع يسمح لهم بالاستفادة.
سوق الشغل، الذي يُقدَّم كفضاء مفتوح، هو في الواقع فضاء انتقائي. لا يكفي أن تملك شهادة، ولا حتى مهارة، بل تحتاج إلى شيء آخر غير معلن: شبكة، حظ، أو قدرة على الانتظار الطويل. وهنا يتحول الزمن نفسه إلى عبء: سنوات تمر، دون أن تتحول إلى خبرة معترف بها، ولا إلى استقرار يُبنى عليه.
التعليم، بدوره، يعيش هذه المفارقة. يُقال إنه رافعة، لكنه لا يرفع الجميع بنفس القوة. هناك من يعبره كجسر نحو فرص أفضل، وهناك من يخرج منه ليجد نفسه في نفس النقطة، فقط بعمر أكبر وأسئلة أكثر.
كل هذا لا يعني أن لا شيء يتحرك. العكس صحيح. المغرب يتغير، وهذا واضح. لكن السؤال ليس هل هناك تغيير، بل: كيف يُوزَّع هذا التغيير؟ ومن يشعر به؟
المشكل يبدأ حين يتحول الخطاب إلى مرآة لا تعكس إلا جزءًا من الصورة. حين يُطلب من المواطن أن يرى ما لا يراه، وأن يشعر بما لا يعيشه. هنا، لا يظهر الغضب بالضرورة، بل شيء أكثر هدوءًا وخطورة: التباعد.
تباعد بين المواطن والخطاب، بين التوقع والواقع، بين الأمل والتجربة.
ليس رفضًا صريحًا، ولا اقتناعًا كاملًا… فقط مسافة تتسع ببطء.
ومع الوقت، يحدث ما هو أخطر من الأزمة نفسها: التطبيع معها.
يصبح الانتظار عاديًا.
يصبح عدم الاستقرار جزءًا من الحياة.
تصبح الفجوة شيئًا مألوفًا لا يُسأل عنه كثيرًا.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: بلد يتحرك، لكن ليس بنفس الإيقاع للجميع.
خطاب يتقدم بسرعة… وواقع يلحق به على مهل.
المغرب بخير، نعم… لكن هذه الجملة، في حد ذاتها، تحتاج إلى شرح.
ليست كل “الخيرات” متشابهة، وليست كل حياة تستفيد منها بنفس القدر.
بين المشاريع الكبرى، التي تُرى من بعيد، والتفاصيل الصغيرة، التي تُعاش كل يوم، تتشكل الحقيقة كما هي:
لا سوداء بالكامل… ولا وردية كما يُقال.
ربما لا يحتاج المغرب إلى أن يقنع مواطنيه بأنه بخير،
بقدر ما يحتاج إلى أن يجعلهم يشعرون بذلك دون أن يُقال لهم.



