بين البطالة والخطابات الوردية.. حملة الشهادات في المغرب ينامون على الأرصفة وحكومة أخنوش تتحدث عن “الإنجازات”

في مشهد يلخص جانباً من المأساة الاجتماعية الصامتة في المغرب، يواصل عدد من حاملي الشهادات بمدينة جرادة اعتصامهم المفتوح أمام مقر الجماعة، مرفوقاً بمبيت ليلي يدخل يومه الثاني عشر، احتجاجاً على التهميش والإقصاء وغياب فرص الشغل، في وقت تواصل فيه الحكومة تسويق خطاب “النجاحات الكبرى” و”الأوراش التنموية” وكأن البلاد تعيش رخاءً اجتماعياً شاملاً.
الصورة القادمة من جرادة ليست مجرد اعتصام عابر، بل تعبير مكثف عن أزمة عميقة يعيشها آلاف الشباب المغاربة الذين قضوا سنوات في الدراسة والتحصيل، ليجدوا أنفسهم في النهاية بين البطالة والاحتجاج والهجرة واليأس. شباب يحملون شهادات جامعية، لكنهم ينامون في العراء طلباً لحق دستوري بسيط: فرصة عمل تحفظ الكرامة.
المفارقة المؤلمة أن هذا الواقع يتناقض بشكل صارخ مع الخطاب الرسمي الذي لا يتوقف عن الحديث عن “الإنجازات التاريخية” و”النموذج التنموي” و”التحول الاقتصادي”. فبينما تُصرف الملايين على الحملات التواصلية والتقارير اللامعة، يعيش جزء واسع من الشباب المغربي حالة اختناق اجتماعي حقيقية، حيث أصبحت الشهادة في كثير من الأحيان ورقة معلقة على جدار البطالة لا أكثر.
حكومة عزيز اخنوش تبدو منشغلة بتقديم صورة وردية عن الوضع الاقتصادي، لكن الواقع اليومي في المدن المهمشة، وعلى رأسها جرادة، يقول شيئاً آخر تماماً. مدينة دفعت لعقود ثمن التهميش بعد إغلاق المناجم، وتحولت إلى رمز للفقر والاحتجاج والانفجارات الاجتماعية المتكررة، دون أن تنجح السياسات العمومية في خلق بدائل اقتصادية حقيقية ومستدامة.
الأخطر أن ملف حاملي الشهادات لم يعد مجرد أزمة تشغيل، بل أصبح أزمة ثقة. فالكثير من الشباب فقدوا الإيمان بجدوى التعليم نفسه، بعدما تحولت سنوات الدراسة إلى رحلة طويلة نحو الانتظار والإحباط. وهذا وضع خطير على أي مجتمع، لأن الدولة التي تفشل في تحويل التعليم إلى أفق اجتماعي واقتصادي، تنتج جيلاً يشعر بأن المستقبل مغلق أمامه.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن الاستثمار وجذب الرساميل والمشاريع الكبرى، يطرح الشارع سؤالاً بسيطاً: أين أثر كل ذلك على الشباب العاطل؟ كيف يمكن الحديث عن التنمية فيما آلاف المجازين يعيشون بين المقاهي والاحتجاجات واعتصامات الشوارع؟
المشهد في جرادة ليس حالة معزولة، بل جزء من صورة أوسع تمتد إلى مدن وقرى كثيرة، حيث أصبح الاحتجاج آخر وسيلة يملكها الشباب لإثبات أنهم ما زالوا موجودين داخل هذا الوطن. فحين تغيب العدالة الاجتماعية، يتحول الرصيف إلى منصة سياسية، وتصبح الأغطية المفروشة أمام المؤسسات العمومية أبلغ من كل البلاغات الرسمية.
إن أخطر ما يواجهه المغرب اليوم ليس فقط البطالة، بل اتساع الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي. فالشعوب يمكنها تحمل الصعوبات، لكنها لا تتحمل طويلاً الشعور بأن معاناتها غير مرئية، أو أنها تُقابل بخطابات احتفالية منفصلة عن الحقيقة اليومية للمواطنين.




