بطالة تتبخر بالأرقام.. هل تحولت الإحصائيات في المغرب إلى أداة انتخابية؟

في المغرب، يبدو أن البطالة لم تعد تحتاج إلى مصانع ولا استثمارات ولا مناصب شغل حقيقية كي تتراجع، بل يكفي فقط تغيير “المنهجية” لتختفي آلاف الحالات من الجداول الرسمية، وكأن الأزمة الاجتماعية التي يعيشها ملايين المغاربة مجرد خطأ تقني في طريقة الحساب.
فبين ليلة وضحاها، هبط معدل البطالة من أكثر من 13 في المائة إلى حوالي 10 في المائة، في ظرف ثلاثة أشهر فقط، دون أن يلمس المواطن أي تغير حقيقي في حياته اليومية، ودون أن يرى الشارع المغربي موجة توظيف استثنائية أو انتعاشاً اقتصادياً يبرر هذا “الإنجاز المعجزة”. لذلك لم يكن غريباً أن يثير هذا التحول المفاجئ موجة واسعة من التشكيك والسخرية والغضب.
السؤال الذي يطرحه المغاربة اليوم بسيط ومحرج في الوقت نفسه: كيف تقلصت البطالة بهذه السرعة بينما طوابير المعطلين ما تزال أمام الإدارات، والاحتجاجات الاجتماعية مستمرة، والهجرة السرية تتصاعد، والشباب يملأ المقاهي والأرصفة بدل مكاتب العمل؟
الواقع أن ما تغير ليس وضعية المواطن، بل طريقة احتساب المواطن نفسه داخل الإحصائيات. فحين تعجز الحكومات عن معالجة الأزمة اقتصادياً، يصبح الحل الأسهل هو إعادة تعريف الأزمة رقمياً. وهكذا تتحول الأرقام من أداة لقياس الواقع إلى وسيلة لتجميله وتلميعه، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بسنة انتخابية حساسة تسبق الاستحقاقات التشريعية.
حكومة عزيز اخنوش تدرك جيداً أن البطالة أصبحت واحدة من أخطر نقاط ضعفها السياسية، لذلك فإن ظهور مؤشرات “إيجابية” قبل الانتخابات يمنحها مادة دعائية ثمينة، حتى لو كان المواطن نفسه لا يشعر بأي تحسن في معيشه اليومي. فالمغربي لا يقيس البطالة بالجداول الإحصائية، بل بما يراه بعينه: شباب بدون عمل، أسر تغرق في الديون، وشهادات جامعية تتحول إلى أوراق بلا قيمة اجتماعية.
الأكثر استفزازاً في هذا المشهد هو الطريقة التي أصبحت بها الدولة تقيس فقر المواطن أو “غناه”. فهناك مواطنون تم توقيف دعمهم الاجتماعي الهزيل، الذي لا يتجاوز 500 درهم، فقط لأنهم عبأوا رصيد الهاتف بأكثر من عشرين درهماً في الشهر، وكأن شحن الهاتف أصبح دليلاً على الثراء الفاحش والخروج من دائرة الهشاشة.
أي منطق هذا الذي يعتبر أن أسرة يمكن أن تنتقل من الفقر إلى “الاكتفاء” بسبب تعبئة هاتف؟ وهل أصبحت الكرامة الاجتماعية في المغرب تُقاس بعدد الجيغابايت والدقائق الهاتفية بدل مستوى الدخل الحقيقي وظروف العيش؟
المشكلة اليوم لم تعد فقط في الأرقام، بل في الهوة المتسعة بين الخطاب الرسمي والواقع الشعبي. فحين يسمع المواطن أن البطالة تتراجع بينما محيطه يغرق في العطالة واليأس، يشعر بأن هناك من يحاول إقناعه بأن ما يراه بعينيه مجرد وهم.
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي حكومة هو أن تدخل في صراع مع الواقع نفسه، وتحاول استبدال الحقيقة الاجتماعية بإحصائيات تجميلية. لأن الأرقام قد تخفف الضغط الإعلامي مؤقتاً، لكنها لا تخلق وظيفة، ولا تدفع فاتورة، ولا تعيد الأمل لشاب أنهكته سنوات الانتظار.
في النهاية، المواطن المغربي لا يحتاج إلى “إعادة تعريف البطالة”، بل يحتاج إلى عمل حقيقي، وعدالة اجتماعية حقيقية، وسياسات تعترف بمعاناته بدل البحث عن طرق أكثر ذكاءً لإخفائها داخل الجداول والتقارير الرسمية.




