سميرة… وجه آخر للمغرب المنسي

ليست هذه الصورة مجرد لقطة عابرة من ركن مهمل في العالم، وليست مشهدا من فيلم يحكي عن مآسي الحروب والمجاعات. إنها صورة من قلب المغرب، من سبت أيت رحو بإقليم خنيفرة، حيث تجلس شابة تدعى سميرة، مقيدة بسلسلة، داخل مأوى بسيط لا يكاد يقي حر الصيف ولا برد الشتاء.
بحسب المعطيات المتداولة، تعاني سميرة من اضطراب نفسي، بينما تعيش أسرتها أوضاعا اجتماعية ومادية قاسية. تقول والدتها أنها تلجأ إلى تقييدها خوفا من أن تهرب أو تؤذي نفسها أو غيرها، في ظل غياب أي بديل للعلاج أو الرعاية أو الإيواء.
إنها مأساة تتجاوز قصة فرد واحد. فحين تجبر أم على تقييد ابنتها بسلسلة، فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا فعلت ذلك؟ بل: أين شعار الدولة الإجتماعية؟ أين الخدمات الصحية؟ أين مراكز التكفل بالمرضى النفسيين؟ وأين الدعم الاجتماعي للأسر الهشة؟
لا يمكن النظر إلى سميرة باعتبارها مجرد “حالة إنسانية” تثير التعاطف لساعات على مواقع التواصل، ثم تنسى. إنها مرآة تعكس واقعا مؤلما تعيشه مناطق كثيرة في المغرب العميق، حيث يتحول المرض النفسي إلى مأساة مضاعفة بسبب الفقر، وغياب العلاج، وانعدام المواكبة الاجتماعية.
الصورة توجع لأنها تكشف ما تعجز عنه الأرقام والتقارير الرسمية. فتاة في عمر الشباب، تجلس وسط ظروف قاسية، تنظر إلى العالم بعينين تختلط فيهما الحيرة بالألم، فيما تقف أسرتها عاجزة أمام واقع يفوق قدرتها. فلا هي تملك ثمن العلاج، ولا تجد مؤسسة تحتضن ابنتها وتحفظ كرامتها.
إن المرض النفسي ليس جريمة، والفقر ليس اختيارا، وربط إنسان بالسلاسل لا ينبغي أن يصبح قدرا تتعايش معه الأسر بسبب غياب البدائل. هذه المآسي لا تحل بالاستنكار الموسمي، بل بسياسات عمومية حقيقية تضمن العلاج المجاني، والرعاية النفسية، ومؤسسات الإيواء، ومواكبة الأسر التي تعيش أوضاعا مماثلة.
سميرة ليست الوحيدة
فكم من سميرة تختبئ خلف جدران البيوت، أو في القرى النائية، بعيدا عن عدسات الكاميرات؟ وكم من أسرة تعيش الألم نفسه في صمت، بين مطرقة المرض وسندان الفقر؟
إن قصة سميرة يجب أن تكون صرخة ضمير، ودعوة عاجلة إلى تدخل السلطات الصحية والاجتماعية والسلطات المحلية، ليس فقط لإنقاذها، بل للبحث عن كل الحالات المشابهة التي تعيش في الظل.
فكرامة الإنسان لا تقاس بالمكان الذي يعيش فيه، ولا بحجم دخله، ولا بمرضه. والحق في العلاج والرعاية والعيش الكريم حق يكفله الدستور، قبل أن تمليه الإنسانية.




