
في كل موسم انتخابي يكتشف المغاربة أن الإبداع السياسي لا حدود له. فبدل أن تتنافس الأحزاب في تقديم برامج حقيقية لمعالجة البطالة، وغلاء المعيشة، وتراجع الخدمات العمومية، يتحول النقاش إلى ما يمكن أن يُوزع على الناخبين. ويبدو أن “الابتكار” في هذا المجال لا يتوقف، فبعد سنوات ارتبط فيها الحديث عن الخرفان والقفف والوعود الموسمية، بدأت تتردد هذه الأيام أحاديث عن انتقال المنافسة إلى توزيع الدجاج، وكأن الحملات الانتخابية تحولت إلى سوق أسبوعي لا إلى مناسبة ديمقراطية لاختيار من يدبر الشأن العام.
وفي انتظار التأكد من صحة ما يتم تداوله بمدينة فاس، فإن مجرد انتشار مثل هذه الأخبار يكشف حجم أزمة الثقة التي أصبحت تطبع العلاقة بين المواطن والسياسة. فحين يصدق الناس بسهولة أن صوتاً انتخابياً قد يُستبدل بدجاجة، فذلك لأنهم اعتادوا على سماع قصص مشابهة في كل محطة انتخابية، حتى أصبح الخبر يبدو قابلاً للتصديق مهما بلغت غرابته.
ولو استمرت الأمور بهذا المنطق، فقد يصبح من الضروري أن تعيد الأحزاب النظر في معايير الترشيح، وأن تستبدل لجان البرامج بلجان مراقبة الدواجن، وأن تحدد القيمة السياسية لكل صنف. وربما سنسمع مستقبلاً أن المقعد الجماعي يحتاج إلى عشرات الدجاجات، ورئاسة المجلس إلى المئات، أما المقعد البرلماني بمدينة فاس فلا يقل ثمنه عن خمسة آلاف دجاجة كروازي، مع إرفاق نسخة من البطاقة الوطنية لتسهيل “الإجراءات الديمقراطية”!
المؤسف أن الديمقراطية لا تُبنى بالدجاج ولا بالخرفان ولا بالقفف، وإنما بالأفكار والكفاءة والنزاهة واحترام إرادة الناخبين. أما تحويل المواطن إلى رقم في عملية مقايضة غذائية، فهو إعلان صريح عن إفلاس السياسة وعجز أصحابها عن إقناع الناس بالبرامج والإنجازات.
ويبقى التأكيد ضرورياً على أن ما يُتداول إلى حدود هذه اللحظة لم تثبت صحته، ولا يزال في حدود الأخبار المتداولة، لكن مجرد تداوله يكفي ليطرح سؤالاً مؤلماً: كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها المواطن مستعداً لتصديق أن قيمة صوته قد تُقاس بعدد الدجاجات؟ حقاً… هزلت.




