العالمالمغرب

الصحراء المغربية خط أحمر.. هل حان وقت إعادة النظر في الامتيازات الاقتصادية الممنوحة لروسيا؟

ليست العلاقات الدولية مجرد بيانات دبلوماسية وابتسامات أمام الكاميرات واتفاقيات اقتصادية توقع في العواصم، بل هي قبل كل شيء شبكة من المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل للمواقف الاستراتيجية للدول. ومن هذا المنطلق، تفرض التطورات الأخيرة المرتبطة بموقف موسكو من قضية الصحراء المغربية نقاشا جديا حول طبيعة الشراكة الاقتصادية التي تجمع المغرب بروسيا، وحدود التوازن بين المصالح التجارية والثوابت الوطنية.

لقد اختارت روسيا، يوم 30 أكتوبر 2026، استعمال حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي المتعلق بالصحراء المغربية، وهو المشروع الذي كان يتضمن اعتماد مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساسا للمفاوضات. ولم تكتف موسكو بذلك، بل طرحت مشروعا بديلا يرمي إلى تمديد ولاية المينورسو وفق الصيغة السابقة، في موقف يعكس تمسكها بمقاربة لا تنسجم مع التوجه الذي يدافع عنه المغرب في المرحلة الراهنة.

ومن حق المغرب، انطلاقا من سيادته ومصالحه العليا، أن يقرأ هذا الموقف بجدية، وأن يطرح سؤالا مشروعا: ما طبيعة الشراكة التي نريدها مع دولة لا تتعامل مع قضيتنا الوطنية وفق الرؤية التي يعتبرها المغرب أساسا لتسوية النزاع؟

إن اتفاق الصيد البحري بين الرباط وموسكو، الذي يمتد لأربع سنوات، ليس تفصيلا اقتصاديا عابرا. إنه إطار يمنح السفن الروسية فرصا للاستفادة من الثروة السمكية في المياه الأطلسية المغربية، ويوفر للجانب الروسي مصالح اقتصادية وتجارية مهمة.

وهنا تبرز مسألة جوهرية: هل ينبغي أن تستمر الامتيازات الاقتصادية بالوتيرة والشروط نفسها، بينما تتباين المواقف السياسية في القضايا التي يعتبرها المغرب من صميم أمنه ووحدته الترابية؟

إن مراجعة الاتفاقيات الاقتصادية لا تعني بالضرورة القطيعة مع الشركاء، كما لا تعني إغلاق أبواب التعاون الدولي، وإنما تعني أن الشراكة يجب أن تقوم على التوازن والندية والاحترام المتبادل، وأن تكون المصالح المغربية حاضرة بقوة في كل تفاوض.

ومن هذا المنطلق، فإن أي تفاوض مستقبلي مع الجانب الروسي بشأن الصيد البحري يستحق نقاشا دقيقا حول شروط الولوج إلى الثروة السمكية، وحجم العائدات المالية، واحترام السيادة المغربية على المجالات البحرية، والرقابة على الكميات المصطادة، وحماية الثروة البحرية، وضمان استفادة الاقتصاد الوطني والصيادين المغاربة من هذه الشراكة.

كما ينبغي أن تكون المواقف الدبلوماسية تجاه الوحدة الترابية للمملكة جزءا من التقييم السياسي الشامل للعلاقات الثنائية، دون إغفال الالتزامات القانونية والتعاقدية القائمة.

فالمغرب ليس بلدا يبحث عن شراكات بأي ثمن، وليس مضطرا إلى الفصل بين ما يقدمه اقتصاديا وما يدافع عنه سياسيا ودبلوماسيا. ومن حقه أن يطالب شركاءه بفهم خصوصية قضاياه الاستراتيجية، وألا تتحول مصالحهم الاقتصادية داخل المملكة إلى امتيازات منفصلة عن مقتضيات الاحترام المتبادل.

الصحراء المغربية ليست ورقة تفاوض، والوحدة الترابية ليست بندا قابلا للمساومة.

قد تختلف الدول في حساباتها ومصالحها، لكن المغرب مطالب بأن يجعل احترام وحدته الترابية ومصالحه العليا حاضرا في تقييم جميع شراكاته الدولية.

فالخط الفاصل في العلاقات مع المغرب يجب أن يكون واضحا: الاحترام المتبادل، والندية، وعدم التعامل مع وحدته الترابية باعتبارها مجرد ملف قابل للمناورة الدبلوماسية.

من يريد الاستفادة من خيرات المغرب، عليه أن يدرك أن احترام سيادته ووحدته الترابية جزء لا يتجزأ من أسس الشراكة معه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى