العالم

حين تمرر الصفقات في الظل:ماذا تكشف العجلة الأمريكية في بيع الأسلحة


في اللحظة التي ترفع فيها واشنطن صوتها محذّرة من “خطر” السلاح النووي الإيراني، ومؤكدة التزامها بـ“نشر الديمقراطية” داخل إيران، تكون في الجهة المقابلة منهمكة في تسريع صفقات سلاح ضخمة إلى حلفائها في الخليج، بل وبتجاوز صريح لآليات الرقابة داخل الكونغرس الأمريكي. هنا، لا يبدو التناقض مجرد تفصيل عابر، بل مفتاحًا لفهم ما يجري فعلاً خلف هذا الخطاب.
قرار إدارة دونالد ترامب تمرير صفقات عاجلة إلى كل من الإمارات العربية المتحدة والكويت تحت ذريعة “حالة الطوارئ” لا يمكن قراءته فقط كإجراء قانوني استثنائي، بل كإشارة إلى أن الزمن السياسي نفسه يُعاد تشكيله وفق منطق السوق: حين تصبح الصفقة مستعجلة، تُختصر المؤسسات، ويُعاد تعريف الطوارئ بما يخدم تمريرها. فالخطر هنا لا يُقاس فقط بما يحدث في الميدان، بل بما يمكن أن يعرقل دورة الربح إذا تأخر.
هذا التجاوز للكونغرس يكشف شيئًا أعمق من مجرد خلاف مؤسساتي داخل الولايات المتحدة؛ إنه يفضح حدود الخطاب الديمقراطي ذاته. فالدولة التي تُقدّم نفسها كحامية للشفافية والمساءلة، تلجأ إلى تقليص دور مؤسساتها حين يتعلق الأمر بصفقات بمليارات الدولارات. بمعنى آخر، الديمقراطية التي تُطالب بها للآخرين، تصبح قابلة للتعليق داخليًا عندما تتعارض مع ضرورات السياسة الاستراتيجية والاقتصادية.
في هذا السياق، لا يعود “الخطر الإيراني” مجرد تهديد أمني، بل يتحول إلى أداة لإنتاج الاستعجال. الاستعجال هنا ليس بريئًا: إنه ما يسمح بتمرير الصفقات دون نقاش، وبخلق حالة دائمة من القلق تبرر استمرار التسلح. كلما تم تضخيم التهديد، كلما أصبح من السهل تسويق السلاح، لا فقط كخيار، بل كضرورة عاجلة لا تحتمل التأجيل.
والنتيجة أن المنطقة تتحول إلى سوق مفتوحة. صفقات السلاح لا تُبنى فقط على حاجات دفاعية، بل على هندسة مستمرة للتوتر. شركات مثل لوكهيد مارتن ورايثيون لا تقف خارج هذا المشهد، بل هي جزء من بنيته. فكل صفقة عاجلة تعني عقودًا جديدة، وخطوط إنتاج مستمرة، وأرباحًا متزايدة. وهكذا، يصبح الاستقرار نفسه حالة غير مرغوب فيها اقتصاديًا، لأنه يهدد إيقاع هذه الدورة.
في المقابل، يُعاد تقديم هذه العمليات بلغة أخلاقية: حماية الحلفاء، ردع التهديدات، ضمان الأمن الإقليمي. لكن المفارقة أن هذا “الأمن” يُبنى عبر تراكم الأسلحة، لا عبر تخفيف أسباب التوتر. فبدل أن يؤدي تسليح الخليج إلى التهدئة، يدفع نحو سباق تسلح صامت، حيث يتحول كل طرف إلى مبرر لتسليح الآخر.
الأكثر دلالة أن هذه الصفقات تُمرَّر في الوقت الذي تُفرض فيه عقوبات على إيران بدعوى حماية شعبها أو الضغط من أجل “تغيير سلوك النظام”. هنا يظهر التناقض في أوضح صوره: شعب يُعاقَب اقتصاديًا باسم حمايته، ومنطقة تُغمر بالسلاح باسم استقرارها. وبين العقوبات والصفقات، تتشكل معادلة لا تخدم الشعوب بقدر ما تخدم توازنات القوة ومصالحها.
في النهاية، لا يمكن فصل تجاوز الكونغرس عن طبيعة الخطاب الأمريكي تجاه إيران. فحين تُختصر المؤسسات لتسريع صفقات السلاح، وحين يُصنع الاستعجال عبر تضخيم التهديد، يتضح أن ما يُقدَّم كصراع من أجل الأمن أو الديمقراطية، هو في جوهره إدارة دقيقة لمصالح أكبر. وهنا، لا يعود السؤال: هل إيران تشكل خطرًا؟ بل يصبح: لماذا يُحتاج دائمًا إلى هذا الخطر، وبأي سرعة يجب تحويله إلى صفقة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى