أربعون ألف درهم لخلق مناصب شغل ومعرفة باللغة فالفرانسية… واش هادي منحة ولا اختبار كوميدي؟

في المغرب، يبدو أن بعض الوزارات لم تعد تكتفي بصناعة البلاغات، بل دخلت رسمياً مجال “الستانداب”. آخر فصول الكوميديا الإدارية جاء هذه المرة من وزارة الشباب والثقافة والتواصل، التي أعلنت عن برنامج لدعم مشاريع الشباب بمبلغ يصل إلى 4 ملايين و800 ألف سنتيم، مع شروط تجعلك تتساءل: هل الأمر يتعلق بدعم حقيقي أم بمسابقة لاختيار “سوبرمان اقتصادي”؟
الوزارة تقول للشباب: “هاك 48 ألف درهم، وخلق لينا فرص شغل”.
سبحان الله! حتى بعض المقاولات الكبيرة التي تستفيد من الملايير والإعفاءات الضريبية لا تخلق مناصب كافية، بينما شاب بالكاد يستطيع شراء حاسوب وكرسي ومكتب، مطلوب منه أن يصبح مقاولة مواطِنة ويوظف الناس ويُنعش الاقتصاد الوطني!
المثير أكثر هو شرط التواصل بالفرنسية.
نعم، لأن المشروع في المغرب، والبطالة في المغرب، والمعاناة في المغرب، لكن النجاح الإداري مازال يحتاج “بونجور” أكثر من الحاجة إلى الفكرة والكفاءة. وكأن الوزارة تقول للشباب: “إذا كنت عبقرياً لكنك لا تتحدث الفرنسية، فمكانك الطبيعي هو مشاهدة الدعم من بعيد”.
ثم نأتي إلى الشروط الأخرى:
أن لا يكون المترشح موظفاً، ولا مستفيداً من دعم آخر، وأن يقدم دراسة جدوى وملفاً متكاملاً وشواهد وسيرة ذاتية… يعني الشاب المغربي مطالب بأن يكون:
خبيراً اقتصادياً،
ومتقناً للغات،
ومحاسباً،
ومختصاً في التسويق،
وفوق ذلك عاطلاً عن العمل حتى يثبت حسن النية!
أما مبلغ الدعم نفسه، فهو يصلح اليوم بالكاد لتغطية تكاليف البداية: كراء محل صغير، بعض المعدات، الأوراق الإدارية، وربما بضعة أشهر من الإنترنت والكهرباء. بعد ذلك، الله يسهل على “المقاول الشاب” في مواجهة الضرائب والغلاء والبيروقراطية والمنافسة غير المتكافئة.
المفارقة أن الدولة تتحدث كثيراً عن تشجيع الشباب على المبادرة، لكنها أحياناً تضع شروطاً تجعل المشروع يحتاج إلى مشروع آخر فقط لفهم طريقة الاستفادة منه!
الشباب المغربي لا يحتاج إلى إعلانات براقة بقدر ما يحتاج:
تمويلاً حقيقياً،
مواكبة تقنية،
تبسيط المساطر،
وثقة في قدراته بعيداً عن التعقيدات اللغوية والإدارية.
أما تحويل الدعم إلى امتحان في الفرنسية والتنظير حول “خلق فرص الشغل” بميزانية محدودة، فهو أقرب إلى النكتة الثقيلة منه إلى سياسة عمومية جدية.
في النهاية، يبدو أن بعض المسؤولين يتعاملون مع الشباب بمنطق:
“هاك الفتات… وحاول تبني به اقتصاداً وطنياً”.




