لا للحرب الوهمية ولا للشائعات المغرضة.. الصحراء المغربية بين الحقائق الميدانية والتطورات السياسية

تزامنا مع التطورات الأخيرة التي يعرفها ملف الصحراء المغربية، عقب انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة «المينورسو»، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي منشورات وتدوينات تتحدث عن اندلاع حرب أو اقتراب مواجهة عسكرية جديدة بين المغرب وجبهة البوليساريو الانفصالية. وهي ادعاءات لا تستند، في حدود المعطيات الرسمية المتاحة، إلى أي إعلان يؤكد وجود حرب أو مواجهة وشيكة.
إن ما يجري تداوله يستدعي التمييز بين التطورات السياسية والدبلوماسية التي يعرفها الملف، وبين الوضع الميداني على الأرض، بعيدا عن صناعة الأخبار الوهمية وتضخيم التحركات العسكرية وتحويل الإجراءات الاحترازية المعتادة إلى سيناريوهات حرب لا أساس موثوقا لها.
فالتغيير الذي عرفه مسار القضية يرتبط أساسا بانتهاء ولاية بعثة المينورسو ودخولها مرحلة إنهاء المهام، وهو تطور له دلالاته السياسية والدبلوماسية، لكنه لا يعني انتهاء جميع أشكال الانخراط الأممي في الملف، ولا يبرر الادعاء بأن المنطقة مقبلة بالضرورة على مواجهة عسكرية.
ومنذ وقف إطلاق النار سنة 1991، ظل المغرب يدير ملف الصحراء المغربية وفق مقاربته السياسية والدبلوماسية، مع مواصلة القوات المسلحة الملكية أداء مهامها في حماية التراب الوطني وتأمين الحدود. كما شكلت عملية الكركرات سنة 2020 محطة ميدانية بارزة في تأمين هذا المعبر الحيوي وإعادة حركة التنقل المدني والتجاري إلى طبيعتها.
وفي المقابل، فإن المغرب، باعتباره دولة ذات سيادة، يملك كامل الحق في تعزيز قدرات قواته المسلحة وتطوير جاهزيتها وتأمين حدوده، وفق ما تقتضيه مصالحه الأمنية والاستراتيجية. ولا ينبغي الخلط بين الاستعداد العسكري واليقظة الدفاعية من جهة، وبين الدخول في حرب من جهة أخرى.
كما أن المقارنة بين مغرب اليوم ومغرب العقود الماضية تكشف حجم التحولات التي عرفتها المملكة على المستويات الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية، وما راكمته من شراكات وقدرات ومؤسسات. وهي معطيات تجعل قراءة التطورات الحالية بمنطق الماضي أمرا غير كاف لفهم طبيعة المرحلة الراهنة.
أما جبهة البوليساريو، فإن أي حديث عن خياراتها العسكرية أو إمكانياتها ينبغي أن يستند إلى معطيات موثوقة، لا إلى التهديدات الإعلامية أو المنشورات التي تتعمد تضخيم الأحداث. فالمنطقة تحتاج إلى الاستقرار، وأي تصعيد محتمل ستكون له انعكاسات تتجاوز أطراف النزاع، وهو ما يجعل تغليب الحل السياسي أمرا ضروريا.
ومن هنا، فإن المسؤولية تقتضي التصدي للشائعات التي تروجها بعض الحسابات والصفحات، سواء عن قصد أو نتيجة تداول معلومات غير دقيقة، خصوصا تلك التي تنشر صورا ومقاطع قديمة أو أخبارا مجهولة المصدر وتقدمها باعتبارها تطورات عسكرية جديدة.
إن القوات المسلحة الملكية مؤسسة وطنية عريقة، وأفرادها يؤدون واجبهم في مختلف مواقع المرابطة بكل انضباط ومسؤولية، كما أن أسرهم تعرف قيمة هذا الواجب الوطني وتعتز بتضحيات أبنائها. ولذلك، فإن نشر أخبار الحرب دون سند رسمي لا يخدم الحقيقة ولا يضيف شيئا إلى النقاش العمومي، بل يفتح المجال أمام التضليل والتشويش.
وتبقى المعلومة الرسمية هي المرجع في القضايا المرتبطة بالأمن الوطني، ولا يمكن اعتبار كل ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي خبرا صحيحا لمجرد تداوله على نطاق واسع. فالقضايا الوطنية الكبرى تحتاج إلى إعلام مسؤول، وإلى مواطنين يميزون بين الخبر المؤكد والدعاية والإشاعة.
إن الصحراء المغربية ليست موضوعا للتكهنات اليومية ولا مادة لصناعة سيناريوهات افتراضية، بل قضية وطنية تتواصل بشأنها التحركات السياسية والدبلوماسية، بالتوازي مع قيام المؤسسات الوطنية بمهامها في حماية أمن المملكة ووحدتها الترابية.
الصحراء مغربية، والمغرب ماض في الدفاع عن وحدته الترابية، أما الشائعات فلن تغير الحقائق، ولن تصنع حربا بمجرد تكرار الادعاءات.




