المغرب

حين يتحول “التسامح” إلى حرفة لحمل الصليب!

في كل مرة يُثار فيها النقاش حول التسامح الديني بالمغرب، يخرج علينا بعض المسؤولين بفهم غريب للمفهوم، وكأن التسامح لم يعد يعني احترام حق الآخر في ممارسة شعائره، بل صار يعني تحويل المغاربة إلى “كومبارس” في طقوس لا علاقة لهم بها، فقط لإرضاء صورة فولكلورية تُسوَّق للخارج تحت عنوان “الانفتاح”.

آخر فصول هذا العبث، ما جرى مع بعض الصناع التقليديين المغاربة الذين وجدوا أنفسهم، بقدرة مسؤول حكومي، يتحولون من حرفيين يصنعون الزليج والنحاس والخشب إلى “حمالة صلبان” في مشهد أثار الكثير من الجدل والسخرية معاً.

فالتسامح الديني، يا معالي الوزير، لا يعني أن يتحول المسلم المغربي إلى حامل لرموز دينية لا يؤمن بها، ولا أن يصبح الحرفي البسيط أداة لتلميع مشاهد استعراضية تُقدَّم على أنها “تعايش حضاري”. لأن الفرق كبير بين احترام دين الآخر، وبين إذابة الهوية الدينية والثقافية للمجتمع داخل عروض بروتوكولية فارغة.

المغاربة عبر قرون كانوا نموذجاً في التعايش الحقيقي؛ اليهود عاشوا بينهم، والكنائس وُجدت فوق أرضهم، ولم يحتج أحد إلى إجبار الناس على حمل الرموز الدينية لإثبات ذلك. فالتسامح المغربي لم يكن يوماً مسرحية استعراضية ولا حملة علاقات عامة، بل كان سلوكاً مجتمعياً عفوياً نابعاً من الثقة بالنفس، لا من عقدة البحث عن التصفيق الخارجي.

لكن يبدو أن بعض المسؤولين فهموا “الحداثة” بطريقة تجعل المغربي مطالباً في كل مناسبة بالتخلي عن رموزه وهويته لإثبات أنه متسامح، بينما لا يُطلب من الآخر أي شيء. وهنا يتحول التسامح من قيمة إنسانية نبيلة إلى نوع من التذلل الثقافي والديني المغلف بالكلمات الرنانة.

والأغرب أن من يدافعون عن هذه المشاهد يقدمونها وكأن المغاربة كانوا عبر التاريخ شعباً متطرفاً يحتاج اليوم إلى “إعادة تأهيل حضاري”، بينما الحقيقة أن هذا الشعب مارس التعايش قبل أن تكتشف بعض النخب معنى كلمة “Tolerance” في تقارير المنظمات الأجنبية.

المشكل ليس في الصليب كرمز ديني يحترمه أصحابه، بل في استغلال المغاربة وصناعهم التقليديين في عروض رمزية مستفزة، وكأن الحرفي المغربي لم يعد له دور سوى حمل ما يُطلب منه أمام الكاميرات، ثم العودة إلى أزماته اليومية من بطالة وغلاء وتهميش.

إن احترام التعدد الديني لا يكون بتحويل المواطنين إلى أدوات بروتوكولية، بل بضمان الحقوق والحريات للجميع داخل إطار الاحترام المتبادل. أما تحويل التسامح إلى استعراض موسمي يُطلب فيه من المغاربة حمل كل شيء إلا همومهم الحقيقية، فذلك ليس انفتاحاً… بل عبث سياسي يرتدي قناع “التعايش”.
من حقك ايها الوزير أن تعلق الصليب أو تنفخ في قرن كبش.. لكن ليس من حقك أن تستعمل “تيهوديت” مع المغاربة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى