حين تحارب الوزارة القرن الحادي والعشرين بأجهزة من القرن الماضي

كل سنة تعلن الجهات المسؤولة حربا جديدة على الغش في الامتحانات. وكل سنة أيضا يتم تقديم إجراءات استثنائية على أنها الحل السحري الذي سيقضي نهائيا على الظاهرة. لكن ما إن تنطلق الامتحانات حتى يكتشف الجميع أن المشكلة أكبر بكثير من جهاز إلكتروني أو بوابة تفتيش أو كاميرا مراقبة.
المثير في الجدل الحالي ليس ما إذا كانت أجهزة رصد الهواتف قد نجحت أو فشلت، بل إصرار بعض المسؤولين على التعامل مع التكنولوجيا بعقلية تشبه مطاردة الريح بشبكة صيد السمك. فالعالم يتغير بسرعة مذهلة، بينما تستمر بعض الإدارات في الاعتقاد أن شراء معدات جديدة كفيل بحل مشكلات تراكمت لعقود.
لقد أصبح الهاتف الذكي اليوم أشبه بمكتب متنقل، يحتوي على وسائل اتصال وتطبيقات وتقنيات تتطور كل بضعة أشهر. أما الإدارة فتحتاج أحيانا سنوات لإعداد دفتر التحملات، ثم سنوات أخرى لاقتناء المعدات، ثم سنوات إضافية لاكتشاف أن التكنولوجيا التي اشترتها أصبحت متجاوزة قبل أن تصل إلى أبواب المؤسسات التعليمية.
المفارقة أن النقاش انصب بالكامل على الأجهزة، بينما تم تجاهل السؤال الحقيقي: لماذا تحول الغش أصلا إلى ظاهرة جماعية؟ هل السبب هو غياب أجهزة الكشف؟ أم أن هناك أزمة ثقة في المدرسة، وضغطا اجتماعيا رهيبا من أجل الحصول على الشهادات بأي ثمن، ومنظومة تقييم تدفع بعض التلاميذ إلى البحث عن أقصر الطرق نحو النجاح؟
نحن أمام مشهد ساخر بالفعل. فبدل معالجة المرض، ننشغل بتغيير ميزان الحرارة. وحين ترتفع الحرارة مرة أخرى، نتهم الميزان بالعجز.
الأغرب من ذلك أن بعض المسؤولين يتحدثون عن “الحرب على الغش” وكأنهم يستعدون لتحرير مدينة محاصرة، بينما التلميذ الذي يفترض أنه الخصم يحمل في جيبه جهازا أقوى من الحاسوب الذي أرسل الإنسان إلى القمر. النتيجة معروفة سلفا: سباق مكلف بين إدارة تشتري أجهزة كل بضع سنوات، وتكنولوجيا تتطور كل بضعة أشهر.
الحقيقة التي لا يريد أحد قولها هي أن الغش لا يهزم بالمعادن والأسلاك وأجهزة الاستشعار فقط. الغش يهزم عندما يصبح النجاح نتيجة معرفة حقيقية، وعندما يستعيد التعليم قيمته، وعندما يشعر التلميذ أن مستقبله لن يتوقف على ورقة امتحان واحدة.
أما الاكتفاء بشراء أجهزة جديدة كلما اندلع الجدل، فهو يشبه من يحاول إصلاح سقف منزل تتسرب منه المياه عبر طلاء الجدران كل عام بلون مختلف.
قد تفشل الأجهزة وقد تنجح، لكن المؤكد أن الحلول التقنية وحدها لن تنقذ منظومة تعليمية تحتاج قبل كل شيء إلى إصلاح أعمق من مجرد جهاز يصدر صفيرا عند مرور هاتف محمول.




