المغرب

تصريحات تبريرية وليست خطوات عملية

تصريحات رياض مزور أمام مجلس المستشارين تبدو، في ظاهرها، مطمئنة، لكنها حين تُفكك سياسيًا واقتصاديًا، تكشف عن مفارقة واضحة بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي الذي يعيشه المواطن.
أول ما يثير الانتباه هو استعمال عبارة “وضعية التموين مطمئنة”. هذه الجملة تُستخدم كثيرًا في الخطاب الحكومي، لكنها تركز فقط على توفر السلع، وتتجاهل السؤال الأهم: هل يستطيع المواطن شراء هذه السلع؟
التموين قد يكون متوفرًا في الأسواق، لكن إذا كانت الأسعار خارج القدرة الشرائية، فإن “الاطمئنان” يصبح شكليًا، بل أقرب إلى تبرير لغوي منه إلى توصيف اقتصادي حقيقي.
ثم يأتي تبرير “الظرفية الجيوسياسية” و”التقلبات المناخية”. صحيح أن هذه العوامل تؤثر عالميًا، لكن الإشكال في خطاب الوزير هو أنه يقدّمها كسبب شبه وحيد، دون تقييم دور السياسات الداخلية.
هنا يظهر خلل واضح:
هل قامت الحكومة بإجراءات استباقية لتخفيف أثر الأزمات؟
هل تم ضبط هوامش الربح والمضاربة؟
هل فُعّلت آليات المراقبة بشكل صارم؟
غياب الأجوبة الدقيقة يجعل التبرير يبدو عامًا، وكأنه “مظلة جاهزة” لتعليق كل الأزمات.
الأهم من ذلك، أن الوزير أقر بوجود ارتفاع في الأسعار، لكنه لم يقدّم إجراءات ملموسة قابلة للقياس. الحديث عن “لجنة اليقظة” أو “التتبع عن كثب” هو خطاب إداري أكثر منه سياسة اقتصادية. المواطن لا يقيس اللجان، بل يقيس:
ثمن الطماطم
ثمن المحروقات
كلفة المعيشة اليومية
وهنا تكمن الفجوة: الحكومة تتحدث بلغة المؤسسات، بينما المواطن يعيش بلغة السوق.
أيضًا، حين يقول إن “هناك مواد قليلة فقط فيها إشكال”، فهذا يتعارض مع الإحساس العام الواسع بغلاء المعيشة. هذه النقطة خطيرة سياسيًا، لأنها تعكس نوعًا من الانفصال بين التقييم الرسمي والإدراك الشعبي، وهو ما يضعف الثقة في الخطاب الحكومي.
النقطة الأكثر حساسية هي اعترافه بأن القدرة الشرائية متضررة، مع التأكيد على أن الحكومة “تبذل جهودًا”. هنا يصبح النقد مباشرًا:
إذا كانت الجهود موجودة، فأين نتائجها؟
هل انخفضت الأسعار؟
هل تحسنت القدرة الشرائية؟
هل تم كبح المضاربين؟
في غياب مؤشرات واضحة، يتحول “الجهد” إلى مفهوم فضفاض، يُستخدم أكثر للدفاع السياسي منه لوصف فعل اقتصادي فعلي.
باختصار، يمكن القول إن تصريح مزور يعاني من ثلاث مشكلات أساسية:
التركيز على توفر السلع بدل القدرة على اقتنائها
تحميل المسؤولية للعوامل الخارجية دون مساءلة السياسات الداخلية
غياب إجراءات واضحة ونتائج ملموسة
وهذا ما يجعل كلامه، في نظر الكثيرين، أقرب إلى خطاب تبريري منه إلى تشخيص صريح أو التزام عملي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى