أقلام حرة

الدكتور جواد بوعرفة يكتب : "الأزمة الصحية بالمغرب : مقاربة تدبيرية"

playstore

لعل من أكثر الانتقادات شيوعا تلك التي تستهدف تدبير الدولة للأزمة الصحية المرتبطة بانتشار حالات الوباء، حيث شملت هذه الانتقادات عدة دول بما فيها الكبرى كفرنسا وانجلترا وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية.

وتعتبر طريقة تدبير الأزمة مرحلة مفصلية للحكم على مدى نجاح دولة ما في التصدي لهذه الجائحة بصفة فعالة، بما يضمن تحقيق أقل الخسائر قي الأرواح  بشكل يتلاءم مع الإمكانيات المرصودة لهذا الغرض.  

sefroupress

ولدراسة آليات تدبير الأزمة الصحية بالمغرب  سيتم التركيز في هذا المقال على المقاربة التدبيرية للسلطات المغربية لحالة الكوفيد 19 من خلال مجموعة من المعايير التي يتم عادة اعتمادها في تدبير الأزمات خصوصا من لدن المؤسسات العمومية،  ومن أجل سبر أغوار هذه المقاربة سنتناول العناصر التالية : 1) اتخاذ القرار والقيادة الإستراتيجية 2) تحديد بنية العمل 3) استباق العقبات 4) آليات التواصل 5) تحويل الأزمة إلى فرصة. 

1)   اتخاذ القرار والقيادة الإستراتيجية

يعتبر اتخاذ القرار والقيادة الإستراتيجية من العناصر الفاعلة في تدبير الأزمة، حيث يتضح أن المغرب كان ناجحا من خلال اتخاذ قرارات سريعة من قبيل إغلاق الحدود وفرض الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي وبرتوكول علاج المرضى بواسطة الكلوروكين وغيرها من الأدوية المواكبة وإيقاف الدراسة حضوريا، وهي قرارات أكدت فاعليتها حيث مكنتنا من التحكم في المسار التصاعدي للجائحة على عكس ما قامت به بعض الدول بما فيها المتقدمة كما أسلفنا الذكر.

ويعتبر عامل السرعة في اتخاذ القرار مهما في مثل هذه الحالات، لكون صاحب القرار يتعامل مع عنصر خارج عن سلطته facteur exogène)) ولا يتوفر على كل المعطيات الخاصة به كما يصعب ضبط تصرفاته.

غير أن هذه القرارات السريعة والفعالة لم تكن لتتخذ ولتعطي أكلها دون وجود قيادة إستراتيجية جسدها الإشراف الشخصي والرعاية السامية لجلالة الملك الذي بادر في اتخاذها والسهر على تنفيذها.

وتعتبر القيادة الإستراتيجية حاسمة في تحديد التوجهات العامة والأساسية لطريقة مواجهة الأزمة، وكذا تحديد المبادئ الأساسية التي يجب السير عليها وهي بمثابة السياسة العامة  للعمل والتي تم تجسيدها على أساس ” صحة المواطن قبل الاقتصاد” وتفعيل مبدأ التضامن.

ويعتبر تحديد آليات التنفيذ من خلال تشكيل اللجان وطرق الاشتغال وتحديد أدوار الفاعلين في تدبير الأزمة (اختصاصات التدخل : الداخلية والصحة والتجارة والصناعة…..) من صميم عمل هذه القيادة الإستراتيجية.

2)   تحديد بنية العمل

من أجل تنزيل التوجهات الإستراتيجية الكبرى ومبادئ العمل التي يجب اعتمادها من اللازم تحديد البنيات الضرورية للاشتغال، والتي ستعمل على تنفيذ القرارات والإشراف على تنفيذها في الميدان. وهنا قامت الدولة بتشكيل لجان مختلفة سواء على الصعيد المركزي واللامركزي من أجل ترجمة القرارات الإستراتيجية على أرض الواقع.

ومن بين هذه اللجان نجد لجنة اليقظة الاقتصادية واللجنة الصحية على الصعيد المركزي، وعلى غرار ذلك تم تكوين لجان على مستوى الجهات والأقاليم والعمالات، كلجان التصريح للمقاولات بمزاولة أو استئناف نشاطاتها والتي تضم كل المتدخلين على المستوى القطاعي وغيرها. وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة تحديد المتدخلين في تنفيذ القرارات وفي هذا الصدد تعتبر جميع القطاعات الوزارية معنية.

كما يتضح من خلال القرارات المشتركة بين القطاعات كالصحة والداخلية وهذه الأخيرة ووزارة التجارة والصناعة والاقتصاد الرقمي على سبيل المثال لا الحصر، بمثابة آليات للتنسيق العالي المستوى والذي يجسد وجود الفعالية التنظيمية.

قد يبدو أن تحديد بنية العمل شيء بديهي، غير أنه في الواقع تنتج عنه جملة من الصعوبات المرتبطة بالتنسيق و تعدد المتدخلين وغيرها من المشاكل التي تؤدي إلى تضارب في القرارات والمعلومات بشكل يؤدي لتعميق الأزمة بسبب المشاكل التدبيرية والتي قد تعطي نتائج عكسية بدل التخفيف من الأزمة. 

3)   استباق العقبات

خلال تدبير الأزمات يجب استباق العقبات التي تعيق تنفيذ القرارات المتخذة سواء كانت ذات طبيعة إستراتيجية أو ميدانية. فعلى هذا الصعيد نستشف تلك المبادرة القبلية للسلطات في تزويد مختلف الأسواق والمحلات التجارية بكل المستلزمات الضرورية للحياة بالنسبة للأسر المغربية. وهنا وجب التنويه بالفهم العميق للدولة لسلوكيات المغاربة في هذا الشأن. وسنقف هنا لتوضيح ذلك بالتركيز على النظرة الثاقبة للسلطات العمومية من خلال التعاطي مع الخوف الناتج عن هذه الأزمات والذي يترجم فيما يمكن أن نسميه بالهلع الاستهلاكي، حيث يتم التهافت على شراء المواد الغذائية وكل مستلزمات العيش بشكل كبير يفوق الاحتياجات العادية رغبة في تخزينها، مما يخلف ازدحاما كبيرا أمام محلات البيع والذي أسفر عن نضوب في الكثير من السلع. وأمام هذا الوضع لم تكتف الدولة بطمأنة المواطنين عن طريق القنوات الإعلامية بإمكانية تزويد الأسواق بوفرة وأن العرض يفوق الطلب، بل ترجم ذلك وبسرعة فائقة على أرض الواقع وبشكل ملموس حيث تم توفير كل النقص الذي نتج عن هذا الهلع الاستهلاكي في المحلات التجارية سواء الممتازة أو العادية وفي مختلف الأسواق. وهو ما أدى إلى خلق جو من الطمأنينة حال دون سيطرة موجة الخوف الجماعي الذي قد يخلقه الشعور بندرة السلع مما يفرز سلوكيات غير محمودة.

وهكذا يمكن الاستنتاج أن صانع القرار واع بشكل كبير بردة فعل الناس الجماعية في فترة الأزمة و قام بتدبير ذلك قبليا وبسرعة فائقة.

ومن أهم مظاهر الاستباقية أيضا نجد كذلك خلق “صندوق كوفيد 19” لتخفيف الآثار السلبية للحجر الصحي والتباعد الاجتماعي على بعض الفئات الاجتماعية الهشة من خلال آلية للدعم المباشر وتسطير إجراءات لفائدة المقاولات المتضررة حفاظا على مناصب الشغل ودعم قطاع الصحة بالمستلزمات والتجهيزات الطبية الضرورية وغيرها من الإجراءات ذات الطبيعة الاستعجالية والضرورية…

نفس الشيء يمكن استنتاجه من خلال قرار فرض وضع الكمامات، فالملاحظ أن القرار وإن اتخذ بعد قرارات الحجر الصحي وتزويد الأسواق، فالإجراءات الخاصة بتوفير هذه الكمامات كانت مسطرة قبليا ومن ضمنها التواصل مع الشركات المنتجة لها (رغم ظهور بعض العقبات المتعلقة أساسا بالتوزيع)، إضافة إلى تحديد المعايير اللازمة لصناعتها والتي أشرف عليها  المعهد المغربي للتقييس IMANOR)).

ومن بين الإجراءات الاستباقية الأخرى لتدليل العقبات نجد توفير السائل التطهيري  للقطاع الصحي  من خلال المبادرة والمساعدة في إعادة  تشغيل الوحدة المتوقفة عن الإنتاج وكذلك توفير الأدوية المعتمدة من طرف اللجنة الصحية في علاج المرضى.     

كما أن الإجراءات الأمنية المتخذة كانت حاضرة ومدروسة جيدا بتنسيق عال على جميع المستويات، حيث إن تعميم هذه الإجراءات على كافة التراب الوطني عزز الإحساس بالأمن لدى المواطنين وبحضور الدولة في الميدان كفاعل قوي قادر على تدبير الأزمة والتحكم في زمام الأمور. وتجدر الإشارة إلى أن طريقة التواصل المتبعة من طرف الأجهزة المتدخلة مع الساكنة كان لها أثر إيجابي ساهم في تعميق الوعي بخطورة الوضع وضرورة انخراط الجميع في إنقاذ البلاد من هذه الجائحة، رغم وجود بعض الصعوبات التي خلقتها بعض العقليات الجاهلة، إلا أن غالبية المواطنين أبدت التزاما كبيرا بالقرارات المتعلقة بالحجر الصحي والتباعد الاجتماعي، وتشكل آليات التواصل حجر الزاوية في تحقيق هذا المبتغى.

4)   آليات التواصل

لا يخفى على أحد الدور الهام للتواصل في فترة الأزمات، ففي حالة المغرب كانت لقنوات التواصل المختلفة (مرئية ومسموعة ومكتوبة) دورا هاما في التعريف بالمرض والإجراءات المتخذة من طرف السلطات، مما سهل على المواطن فهم الرهانات المطروحة في مثل هذه الظروف.

ومن أهم مظاهر نجاح الدولة في ذلك هو أولا قدرتها على تعبئة كل وسائل الإعلام العمومية أو الخاصة من أجل تدبير هذه الأزمة وكذلك تحويل الرغبة في الحصول على المعلومة الآنية والدقيقة بخصوص تطور المرض والذي تكلفت به السلطات الصحية المركزية خصوصا وكذلك الجهوية كمستوى ثان لمصدر المعلومات المفصلة. ويعتبر هذا الجانب رهانا لا يمكن الاستهانة به بالنظر للدور الكبير الذي تلعبه شبكات التواصل الاجتماعي في العصر الراهن، خصوصا في شقها المتعلق بانتشار الأخبار الزائفة والتي تتصدى لها الدولة بشكل حاسم وسريع، وذلك تفاديا لخلق البلبلة والهلع وتشتيت الجهد العام.

كما كان للتواصل الفعال أثر في الحفاظ على المعنويات العامة وما يصاحبها من تبني الفكر الإيجابي لدى كل الفاعلين وخصوصا المواطنين. ومن شأن هذا الشعور الإيجابي العام تشجيع المبادرات الهادفة من طرف الأفراد والتنظيمات بشكل عام. هذا النوع من السلوك يساهم حتما في تعبئة الموارد اللازمة سواء البشرية أو المالية أوغيرها، مما يساهم في تخفيف أثار الأزمة على نفوس أفراد المجتمع. وتبقى من مسؤولية الدولة الحفاظ على هذه الأجواء بشتى الوسائل المتاحة من حركية ميدانية وتعبئة وسائل الإعلام وتخفيف المساطر والتحكم في الأسعار وتخفيف العبء المالي على الأسر وغيرها.

5)   تحويل الأزمة إلى فرصة:

يعد تحويل الأزمة إلى فرصة، بمثابة المعيار الأساس لإعطاء تقييم إيجابي لطريقة تدبير الدولة لهذه الأزمة الوبائية. وفيما يخص المغرب، فقد شكلت هذه الأزمة فرصة لخلق إجماع وطني كبير والتفاف كبير حول التوجيهات الملكية السامية.

وساهمت هذه الأزمة في تقوية حضور الدولة، مما أهلها لتكون فاعلا أساسيا في التصدي لهذه الجائحة، وهذا ما أدى بشكل عام لتعزيز وتحسين صورتها وصورة أجهزتها بشكل كبير لدى المواطنين.

ولم يقتصر تقوية صورة البلاد في شقها الداخلي فقط بل شمل أيضا المستوى الخارجي، حيث استحسنت الكثير من الدول والهيئات الدولية طريقة معالجة المغرب لهذه الجائحة بالنظر للإجراءات السريعة والفعالة المتخذة منذ ظهور أولى حالاتها في البلاد. بل وزيادة على ذلك ظهر المغرب كبلد ذا مصداقية، يمكن الوثوق به في وقت الأزمات، قادرا على المساهمة في مساعدة بعض الدول في توفير بعض المستلزمات المستعملة في التصدي لهذه الجائحة كالكمامات مثلا أو مدها بالبنيات اللازمة، و بالتفكير في مجاله الإفريقي عبر المبادرة التي أطلقها جلالة الملك والتي تكمن في خلق آلية لمساعدة الدول الإفريقية على التصدي لهذه الجائحة. دون أن ننسى قدرة المغرب على إنتاج الكثير من المستلزمات الطبية وغيرها، مما يجعله سيدا لقراراته وقادرا على أخذ زمام الأمور وبالتالي أعطى صورة للداخل والخارج على قدرته على الإبداع في مجال تصنيع هذه المستلزمات الطبية وشبه الطبية.

هكذا يمكن اعتبار المغرب ناجحا في تحويل الأزمة إلى فرصة وهو ما يعتبر مظهرا من مظاهر التحكم الجيد في الحالة الوبائية الكوفيد 19، وذلك لكون آليات تدبير هذه الأزمة تعتبر نموذجا إقليميا بل عالميا من الطراز الرفيع المستوى.

وخلاصة القول، فهذه المقاربة التدبيرية للأزمة الصحية الوبائية بالمغرب تجعلنا نجزم بأن الإجراءات التي اعتمدتها الدولة المغربية كانت موفقة بشكل كبير ويرجع الفضل في ذلك لحكمة وتبصر عاهل البلاد الذي أرسى المبادئ الأساسية للتصدي لهذه الجائحة وعلى رأسها تقديم سلامة المواطنين على كل الاعتبارات الأخرى. وهي إجراءات تتوافق تماما مع مبادئ حسن التدبير وتعبر بعمق عن رسوخ وعراقة دولة متمرسة في معالجة الأزمات العامة والكبرى، ومسلحة بفهم عميق لطبيعة المجتمع المغربي.

ملف من إعداد الدكتور بوعرفة  جواد أستاذ باحث في الاقتصاد والتدبير بالكلية متعددة التخصصات بتازة جامعة سيدي محمد بن عبدالله – فاس.

نائب عميد الكلية متعددة التخصصات تازة.

ساهم في عدة ندوات وطنية ودولية.

 

له عدة مساهمات في مجلات وكتب جماعية علمية.

 

playstore

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WeCreativez WhatsApp Support
فريق صفروبريس في الاستماع
مرحبا